أحمد عمران

 

يغلب على شعر الشاعر المصري علي محمود طه الطابع الوصفي الغنائي، وتدور موضوعاته في فضاء رومانسي رحب، يستلهم الطبيعة والجمال والحب، ويصوغها في لغة موسيقية آسرة. وقد تجلت هذه السمات في دواوينه: «الملاح التائه»، و«زهر وخمر»، و«أرواح وأشباح»، و«شرق وغرب».

إلا أنه اتجه في ديوانه الأخير «شرق وغرب» إلى القصيدة الوطنية والاجتماعية، فكتب قصائد مثل «إلى أبناء الشرق» وقصيدته الشهيرة «مصر»، لينتقل بذلك من عالم الشعر الرومانسي الخيالي إلى شعر الحياة والواقع، من غير أن يفقد قصيدته حسها الجمالي ونبرتها الموسيقية.

وكان علي محمود طه، كذلك، شاعرا رومانسيا شديد الحساسية تجاه الحب والجمال. وليس في شعره ما يدل على أنه عانى مرارة الحب وعذابه بالحدة التي نجدها عند الشاعر إبراهيم ناجي على النحو الذي تناولناه في المقال السابق، غير أن الحب عنده كان ينتمي إلى عالم روحي أقرب إلى القداسة. فالمحبوبة، في تصوره، رمز للنقاء، وصورة من صور الجمال المتفتح، أشبه بزنبقة ناصعة في عالم الطهر.

وفي قصيدته «القمر العاشق» يظهر عاشق يقف في شرفة خلال ليلة صيفية في القاهرة، ويرسل إلى محبوبته حديثا حالما، وهي نائمة في هدوء، كأنها زنبقة على فراش الطهر:

 

إذا ما طافَ بالشُّرفةِ * ضوءُ القمر المضْنَى

ورفَّ عليكِ مثلَ الحُل * مِ أو إشراقةِ المعنَى

وأنتِ، على فراش الطُّه * رِ، كَالزَّنبقة الوَسْنَى

فضمِّي جسمَك العاري * وصوني ذلك الحُسْنا

 

وقد أضفى الدكتور حسن عباس صبحي على هذه الصور الشعرية بعدا آخر حين نقلها إلى الإنجليزية، محافظا على روح الصورة الشعرية وإيقاعها العاطفي، فأتاح للقارئ الإنجليزي فرصة لأن يقترب من عالم علي محمود طه، بما فيه من رهافة وخيال وموسيقى داخلي:

 

When the beam of the infatuated moon shines on the balcony,

And hover over you like a dream or like the brightness of an idea,

While you are on the bed of purity like a dreaming lily,

Do then over your naked body and guard your beauty.

 

صورة شخصية رسمية بالأبيض والأسود لرجل في منتصف العمر يرتدي بدلة وربطة عنق مخططة، وينظر مباشرة إلى الكاميرا بخلفية بسيطة.

ويشتد إحساس العاشق بالغيرة من أشعة القمر التي تحوم حول محبوبته الجميلة، فيخاطب ذلك الضوء كأنه منافس له في الحب، فيقول:

أغارُ عليكِ من سابٍ * كأنَّ لضوئِه لَحْنَا

دقُّ له قلوبُ الحو * رِ أشواقًا إذا غنَّى

رقيقُ اللمس، عربيدٌ * بكلِّ مليحةٍ يُعْنَى

جريءٌ، إنْ دعاه الشو * قُ، أن يقْتحم الحصنَا!

I feel jealous of this invader,

Whose light appears to have melody.

His touches are tender, a libertine he is,

Fond of every beautiful one,

Daring indeed if urged by yearning

To take the fortress by assault.

 

وليس الحب في شعر علي محمود طه دائما مشدودا إلى الألم والوجد العميق؛ ففي بعض قصائده لمسات خفيفة رقيقة، تتداخل فيها العاطفة مع المرح والحلم والمشهد الجمالي. ونجد ذلك واضحا في قصيدته الشهيرة «الجندول»، التي غناها المطرب عبد الكريم الكابلي، وأصبحت من أشهر القصائد المغناة في هذا الباب.

وفي أجواء البندقية الحالمة، وعلى متن جندول يشق ماءها في ليلة ساحرة، يتغنى الشاعر بالجمال والحب والمدينة، فيقول:

 

أين من عينيَّ هاتيك المجالي؟

يا عروسَ البحرِ، يا حُلْمَ الخيالِ

أين عشاقُك سُمَّارُ الليالي؟

أين من واديك، يا مهدَ الجمالِ؟

موكبُ الغيد وعيدُ الكرنفالِ

وسرَى الجندولِ في عُرض القنالِ

 

إلى أن يقول:

بين كأسٍ يتشهَّى الكرمُ خمرَهْ

وحبيبِ يتمَنَّى الكأْسُ ثغرَهْ

التقتْ عيني بهِ أوَّلَ مرَّهْ

فعرفتُ الحبَّ من أوَّلِ نظرَهْ

With a cup whose wine the vine would crave for,

And a lover whose lips the cup would desire,

A lover whom I met for the first time,

Then I experienced love at first sight.

 

ومع ذلك، فإن الانطباع العام الذي يخرج به قارئ شعر علي محمود طه هو أن مشاعره العميقة كانت تتجه، في جانب كبير منها، إلى بحث دائم عن عالم مثالي للفن والجمال؛ أي إلى عالم يجعل من الفن غاية في ذاته، أكثر مما يجعله تعبيرا عن الحب بمعناه الواقعي المباشر.

فالحب نفسه يبدو في شعره عنصرا من عناصر ذلك العالم الساحر الذي يتشكل فيه الجمال. وكان الشاعر يستمد أحيانا مثاله الأعلى للجمال من عالم الشعر، ذلك العالم الذي رآه مصدرا للحقيقة والجمال معا. وقد منحه عالم الفن هذا فرحا غامرا، حتى بدا كأنه يؤمن بأن على الشاعر أن يقدم للفن من التضحيات ما يتيح له أن يصنع للعالم أملا مبتسما.

ويتجلى هذا المعنى بوضوح في قصيدته «التمثال»، حيث يصور نفسه فنانا وهب نفسه لفنه، يطارد الجمال أينما ظهر، ويعود إلى محراب الفن بما جمعه من أسرار الطبيعة ومظاهرها. يقول:

أقبلَ الليلُ، واتَّخذتُ طريقي * لكَ، والنجمُ مؤنِسي، ورفيقِي

وتوارى النهارُ خلف ستارٍ * شفقيٍّ، من الغمام رقيقِ

مدَّ طيرُ المساءِ فيه جناحًا * كشراعٍ في لُجةٍ من عقيقِ

هو مثلي، حيرانُ يضربُ في الليـ * لِ ويجتازُ كلَّ وادٍ سحيقِ

عادَ من رحلةِ الحياة كما عُدْ * تُ، وكلٌّ لوَكْرِهِ في طريقِ!!

 

The night has come, and I made my way to you,

All alone, except for the star keeping me company.

The day has lurked behind a curtain of twilight,

Woven of soft clouds

Over which the bird of the evening has stretched a wing,

Like a sail in a sea of crimson red.

It is like me quite lost, wandering in the night,

Crossing deep valleys.

It has returned from the journey of life as I did,

Each going his own way to his nest.

ويناجي التمثال بشوقٍ قائلا:

 

أيُّهذا التمثالُ هأنذا جئـ * تُ لألقاكَ في السكونِ العميقِ

حاملًا من غرائب البرِّ، والبحـ * رِ ومن كل مُحدَثٍ، وعريقِ

ذاك صيدي الذي أعودُ به ليـ * لًا وأمضي إليه عند الشروقِ

جئت أُلقِي به على قدميكَ الآ * نَ في لهفةِ الغريب المَشُوقِ

عاقدًا منهُ حول رأسِكَ تاجًا * ووشاحًا، لقدِّكَ الممشوقِ!

بيدي هذه جَبلتُكَ، من قل * بي، ومن رونقِ الشبابِ الأنيقِ

كلما شِمتُ بارقًا من جمالٍ * طِرتُ في إثرِهِ أشقُّ طريقِي

 

O statue, here I am before you,

To meet you in deep silence

Carrying with me strange things from land and sea,

Strange things new and old,

Treasures of mine they are, with which I come at night,

And for which I leave at early dawn,

I come to put them at your feet,

With all the endearment of adoring stranger.

From them I make a crown for your head,

And a robe for your elegantly designed body.

With this head of mine I have fashioned you

From any heart and from the beauty of elegant youth.

Whenever my eyes fall upon you a flash of beauty,

I cross my path flying to it.

As a poet distinguished in his society and devoted to his art, Ali M. Taha set out to extract marvels from all phenomena:

 

وبصفته شاعرا متميزا في مجتمعه، ومخلصا لفنه، ينطلق علي محمود طه في رحلته الشعرية لاستخراج العجائب من مظاهر الوجود كلها. فالنجوم والطيور والكروم والبر والبحر والطبيعة، كلها تتحول بين يديه إلى مصادر للجمال والصورة والإلهام:

 

شهِدَ النجمُ، كم أخذتُ من الرو * عةِ عنهُ، ومن صفاءِ البريقِ

شهد الطيرُ، كم سكبتُ أغانيـ * هِ على مسمعيكَ سكبَ الرحيقِ

شهِدَ الكرمُ، كم عصرتُ جَناهُ * وملأتُ الكئوسَ من إبريقِي

شهد البَرُّ، ما تركتُ من الغا * رِ على مِعْطَفِ الربيع الوريقِ

شهد البحرُ، لم أدَعْ فيه من دُرٍّ * جديرٍ بمفرقيكَ، خليقِ

ولقد حيَّرَ الطبيعةَ إسرا * ئي لها كلَّ ليلة وطُرُوقِي

واقتحامي الضحى عليها كراعٍ * أسيويٍّ، أو صائدٍ إفريقِي

أو إلهٍ مُجنَّحٍ يتراءَى * في أساطيرِ شاعرٍ إغريقِي

قلتُ: لا تعجبي فما أنا إلَّا * شبَحٌ لجَّ في الخفاءِ الوثيقِ

أنا يا أمُّ، صانعُ الأمل الضا * حك في صورة الغد المرموقِ

صُغْتُهُ صوغَ خالقٍ يعشق الفنَّ * ويسمو لكل معنى دقيقِ

 

The star bears witness what wonder I have borrowed from it,

And from the purity of the lightening

The birds have borne witness how I outpoured their songs like nectar

Into your ears, O my statue.

The vine has borne witness how I squeezed its juice

And how I filled the cups from my jug.

Land has borne witness how I have never left laurels

On the coast of the blooming spring.

The sea has borne witness how I have never left any of its previous pearls aside,

Worthy of use as ornaments for your brow.

Nature is puzzled at my visiting her every night;

Got surprised of my pensive mood,

Of how I invaded her morning,

Like an Asian shepherd or an African hunter,

Or like a winged god that appears

In the myth of a Greek poet.

I called upon her, saying: 'Do not be surprised.

I am nothing but a ghost lost in deep mystery.

O Mother, I am the creator of the smiling adoring hope,

Of the coming future.

I have fashioned it with the spirit of a creator adoring art,

Aspiring to every subtle meaning.

 

ولأن علي محمود طه شاعر رومانسي، فقد شارك شعراء الرومانسية إحساسهم بعدم الاكتفاء بالعالم المرئي كما هو، ومحاولتهم تجاوز الواقع المادي بواسطة الخيال الخلاق، بحثا عن عالم مثالي خاص بهم. ومن هنا يتشكل في شعره عالم آخر تفوح منه رائحة الزهور والخمر، وتشرق فيه صور الجمال، وتتردد أصداء الموسيقى والمرح؛ عالم لا يخضع لقوانين الواقع بقدر ما يخضع لقوانين الخيال والشعر.

 

ومن أبرز صور هذا العالم قصيدته «حانة الشعراء»، وهي من أجمل قصائده الوصفية وأكثرها امتلاء بالصور الأسطورية. إنها حانة متخيلة، ذات أجواء أسطورية، يحكمها حضور باخوس، إله الخمر في الميثولوجيا الرومانية، وتظهر فيها فينوس، إلهة الحب والجمال، في موكب ساحر. وفي هذه الحانة يجد الشعراء عالمهم المثالي، حيث يمتزج الفن بالأدب، والحب بالموسيقى، والخمر بالخيال.

 

يقول في وصف تلك الحانة:

هيَ حَانَةٌ شَتَّى عَجَائبُهَا * مَعْرُوشَةٌ بالزَّهْرِ والقَصَبِ

في ظُلَّةٍ باتَتْ تُدَاعِبُهَا * أنْفَاسُ لَيْلٍ مُقْمِرِ السُّحُبِ

وَزَهَتْ بِمِصْبَاحٍ جَوَانِبُهَا * صَافِي الزُّجَاجَةِ رَاقِصِ اللَّهَبِ

 

It is a tavern, with many wonders,

With a roof of flowers and canes,

Built of a fertile stretch of a shady land.

By the breezes a night of lit clouds

Its sides looking charming with a lantern

With its pure glass and dancing flames.

 

ويستحضر الشاعر في هذا المشهد عالم الأساطير اليونانية، فيظهر باخوس صاحب الحانة، مأخوذا بما يرى من سحرها، حتى يخيل إليه أنها شيدت من الياقوت والذهب:

 

«بَاخُوسُ» فِيهَا وَهْوُ صَاحِبُهَا * لَمْ يَخْلُ حِينَ أَفَاقَ مِنْ عَجَبِ

قَدْ ظَنَّهَا، وَالسِّحْرُ قَالبُها، * شِيدَتْ مِن الْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ

In there was Bacchus, who was its owner.

He himself was taken by surprise when he came to his senses,

Moulded as it was my magic, he thought that

It was built of rubies and gold.

 

ثم يمضي الشاعر في رسم تفاصيل هذا العالم الاحتفالي، حيث يتحول الشراب نفسه إلى قطعة فنية، وتبدو الصور وكأنها قد غادرت إطاراتها لتتحرك بين رواد الحانة في مشهد أقرب إلى الحلم:

 

إبريقُهُ حَلْيٌ منَ الدُّرَرِ * يُزْهَى به قَدَحٌ مِنَ الْمَاسِ

وكأنَّ ما حوْليه من صُوَرِ * متحركاتٌ ذاتُ أنفاسِ

تركتْ مواضِعَهَا من الأُطُرِ * وَمَشَتْ له في شِبْهِ أعراسِ

 

His jug was ornamented with pearls,

Charming indeed with the brightness of diamonds.

It was if all pictures around him,

Moving and living,

Had released themselves from the frames

And walked towards him like brides;

 

م تتوالى الصور في هذا العالم المتخيل، فتظهر الموسيقى والحسن والخمر في مشهد واحد، كأن الشعر نفسه قد تحول إلى حانة نابضة بالحياة:

منهنَّ عازفةٌ على وَتَرِ * مُتَفَجِّرٍ بِأَرَقِّ إِحْسَاسِ

وغريرةٌ حوراءُ كالقمرِ * تَحْنُو على شَفَتَيْهِ بالكاسِ

 

One was playing on the string,

Throbbing with tender sensation,

And a young one, with eyes black, as beautiful as the moon,

Offering the cup to his lips in endearment.

 

وهنا يبلغ الخيال ذروته، فيتساءل الشاعر: أهي حانة باخوس حقا، أم أنها وليدة الأحلام والأهواء؟ ثم تظهر فينوس خارجة من الماء، في استحضار واضح لأحد أشهر رموز الجمال في الأساطير القديمة:

 

أَوَتلكَ حانَتُهُ؟ فوا عجبَا! * أم صُنْعُ أحلامٍ وأهواءِ؟

وَمَنِ الخيالُ أهلَّ واقتربا * «فينُوس» خارجةً من الماءِ!

 

It is truly his tavern? What a wonder indeed!

And out of the bright imagination

Venus emerged from the water,

ويكتمل المشهد بموكب من الشباب والعشاق، في صورة تجمع بين الطرب والحب والشباب والغرابة، وتؤكد أن هذه الحانة ليست مكانا للشراب فحسب، وإنما فضاء رمزي للفن وأهله:

في موكب يتمثلُ الطَّربَا * ويميلُ من سحرٍ وإغراءِ

وبكلِّ ناحيةٍ فَتًى وثبا * متعلقًا بذراعِ حسناءِ

يتَوَهَّجون صبابةً وصِبًا * يتمثَّلونَ غريبَ أزياءِ

 

In a procession rich with rejoicings,

Swaying with charm and enticement.

And on every  side a youth was there dancing, embracing a beautiful one,

Bright with love and youth,

Wearing a strange kind of dress.

 

وفي ختام المشهد، يجلس الشعراء في نشوة، يترقبون الداخلين، وتتداخل همساتهم مع رنين الكؤوس. وحين يُسأل الخمّار عن هؤلاء القوم، لا يراهم مجرد رواد لحانة، بل يعرف حقيقتهم: إنهم عشاق الفن وأهل الأدب:

 

جلسوا نشاوى مِثْلَمَا قَدِمُوا * يترقَّبون منافذَ البابِ

يتَهامسون، وهَمْسُهُمْ نغَمٌ * يسري على رنَّاتِ أكوابِ

إنْ تسألِ الخمَّارَ، قال: هُمُو * عُشَّاقُ فَنٍّ، أهلُ آدابِ

 

They sat there in ecstasy looking towards the door;

Whispering they were, their whispers were melodic,

Streaming out, with the ringing of the cups.

If you were to ask the publican about them,

He would tell you that they are lovers of art, men of letters.

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...