محمد الأمين عبد النبي

يمثل يوم 25 أكتوبر ذكرى الاعتداء على إرادة الشعب السوداني، وذكرى الانقلاب العسكري المشؤوم على الحكم الانتقالي. وتحل الذكرى والسودان لا يزال يدفع ثمن هذه الخطيئة التاريخية من حرية شعبه وأمنه وحقوقه؛ فقد فتح الانقلاب الباب واسعًا أمام الحرب. فقد كان انقلابًا على مسار ثورة شعبية عظيمة أبهرت العالم وتنفس فيها الشعب السوداني أنسام الحرية والكرامة.

تحل هذه الذكرى المشؤومة بينما يحتفل أهل السودان بالذكرى الثانية والستين لثورة أكتوبر المجيدة، التي لا تزال تبعث في دواخلهم روح الصمود لهزيمة الانقلابيين واسترداد عافية السودان الديمقراطية والمجتمعية.

لم تكن حرب 15 إبريل 2023م حدثًا معزولًا أو خلافًا طارئًا بين قائدين عسكريين على السلطة. فقد سبقتها عملية ممتدة لتقويض الثورة وإجهاض الانتقال المدني وإعادة إنتاج الحكم العسكري بأدوات جديدة. وفي قلب هذا المسار يقف انقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي نفذه البرهان وحميدتي ضد القوى المدنية، فاتحًا الباب أمام أزمة انتهت إلى حرب مدمرة يدفع السودانيون ثمنها حتى اليوم.

بعد سقوط نظام البشير في إبريل 2019م، دخل السودان مرحلة انتقالية محاطة بالتناقضات. كانت القوى المدنية تسعى إلى تفكيك بنية النظام المباد وبناء سلطة مدنية تفتح الطريق أمام الديمقراطية والسلام. في المقابل ظل النفوذ العسكري ومعه شبكات النظام المباد، عائقًا أمام الانتقال.

لم تكن الشراكة الانتقالية خالية من العيوب، لكنها مثّلت في جوهرها محاولة لإدارة التناقض بين الثورة ومراكز القوة الموروثة. وحين بدأت مطالب الإصلاح والمساءلة وإخضاع المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية تقترب من مناطق النفوذ المحصنة، أخذت الشراكة تتآكل حتى جاء انقلاب 25 أكتوبر ليحسم الصراع لمصلحة المكون العسكري لا لمصلحة الاستقرار الوطني.

وقد شارك البرهان وحميدتي معًا في الانقلاب مهما اختلفت حساباتهما ومصالحهما لاحقًا، غير أن الانقلاب فشل في إنتاج شرعية سياسية بديلة. خرجت الجماهير إلى الشوارع واستمرت المقاومة واتسعت عزلة الحكم الانقلابي ولم تستطع القوة المسلحة أن تمنح السلطة قبولًا شعبيًا افتقدته منذ لحظتها الأولى.

أمام الضغوط الشعبية والعزلة الخارجية عاد الطرفان العسكريان إلى التفاوض مع القوى المدنية، وصولًا إلى الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022م. مثّل الاتفاق اعترافًا عمليًا باستحالة تثبيت الحكم الانقلابي من دون تسوية سياسية، لكنه ظل محاطًا بخلافات حول إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتحولت إلى صراع على السلطة والموارد. وفي الوقت الذي كانت فيه قوى الثورة تحاول فتح طريق لاستعادة الحكم المدني، كانت شبكات النظام المباد تعمل على إعادة بناء نفوذها مستفيدة من الانقسام العسكري.

اندلعت الحرب بين طرفي انقلاب أكتوبر. فالمسؤولية تقع عليهما معًا فقد اختارا الاحتكام إلى السلاح، وكذلك على من يرفضون وقفها ويصرون على حسم الصراع عسكريًا.

لقد دمّرت الحرب المدن والبنية التحتية والاقتصاد، وشردت الملايين ومزقت النسيج الاجتماعي، ووضعت وحدة السودان ومستقبله أمام مبرد التقسيم. ومع ذلك، ما زال طرفا الانقلاب والحرب يتعاملان مع السلطة باعتبارها غنيمة تُنتزع لا مسؤولية تستمد شرعيتها من الشعب.

إن البداية السياسية لهذه الكارثة كانت يوم انقلب العسكريون على الانتقال المدني في 25 أكتوبر. لم تكن الحرب نتيجة حتمية، لكنها أصبحت أكثر احتمالًا حين أُقصيت السياسة وعُطّلت الثورة وتُرك السلاح فوق الدولة. ولن يكون الخروج من هذا الخراب بإعادة إنتاج الشراكة العسكرية ذاتها، وإنما بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وترسيخ المسار المدني وبناء جيش وطني مهني واحد ليس له علاقة بالحكم والسياسة والاقتصاد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...