عامر علي الحاج

 

في الذكرى الخامسة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، لا يكفي أن نسأل لماذا فشل الانتقال المدني في السودان، ولا أن نكتفي بتعداد أخطاء القوى المدنية التي شاركت في إدارته. فالسؤال، بصيغته الشائعة، ينطوي على افتراض يحتاج إلى مراجعة: أن السودان كان قد انتقل بالفعل إلى حكم مدني، ثم أخفق المدنيون في إدارة السلطة، فانتهت تجربتهم بالانقلاب. لكن هل هذا ما حدث فعلًا؟

 

قبل إبريل 2019، لم يكن السودان بلا برلمان أو قضاء أو نقابات. كانت هذه المؤسسات موجودة، ومع ذلك لم تمنع استبداد نظام الإنقاذ وفساده، لأنها لم تكن تملك الاستقلال والقدرة على إخضاع السلطة لقواعدها. فوجود المؤسسات لا يعني بالضرورة وجود نظام مؤسسي، كما أن وجود حكومة مدنية لا يعني أن السلطة أصبحت مدنية بالفعل. المسألة في طبيعة المؤسسات، ومصادر شرعيتها، وقدرتها على تقييد من يمتلك القوة الفعلية.

 

أسقطت ثورة ديسمبر رأس النظام، لكنها لم تُسقط بالضرورة بنية الدولة التي أقامها خلال ثلاثة عقود. وجاءت التسوية الانتقالية لتؤسس شراكة بين قوى مدنية تمتلك شرعية الثورة، ومؤسسات عسكرية وأمنية تحتفظ بالسلاح والنفوذ الاقتصادي والسياسي. كان ذلك توازنًا فرضته موازين القوة، لكنه لم يحسم السؤال الذي قامت الثورة من أجله: من يملك السلطة في الدولة، ومن يخضع لمن؟

 

هنا تكمن المعضلة التأسيسية للانتقال. فقد كان المطلوب أن تتحول الشرعية الثورية إلى سلطة دستورية تستمد حقها في الحكم من المواطنين، وأن تصبح القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مؤسسات داخل الدولة، لا أطرافًا شريكة في تقرير طبيعة السلطة ومصيرها. لكن التسوية لم تنجح في تحويل هذا الهدف إلى قواعد ملزمة، وظلت العلاقة بين المدنيين والعسكريين محكومة بالتفاوض على النفوذ أكثر مما حكمتها مؤسسات مستقلة.

 

ولا يعفي ذلك القوى المدنية من مسؤوليتها. فقد أخفقت في الحفاظ على تماسك تحالفها، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإدارة خلافاتها، واستكمال المؤسسات الدستورية، وبناء توافق اجتماعي وسياسي يحمي الانتقال. كما لم تنجح في التعامل مع الإصلاح الأمني والعسكري وتفكيك شبكات المصالح الموروثة باعتبارهما جوهر عملية تغيير الدولة، لا ملفين يمكن تأجيلهما إلى أن تستقر الحكومة.

 

لكن هذه الإخفاقات لا تعني أن المدنيين امتلكوا السلطة كاملة ثم أساءوا استخدامها. لقد كانوا شركاء في سلطة غير متكافئة، امتلك الطرف العسكري فيها أدوات قوة لم تكن الحكومة المدنية تملكها. ومن ثم، فإن نقد أداء المدنيين شيء، وتحميلهم المسؤولية عن الانقلاب شيء آخر. الأول ضرورة للمراجعة، أما الثاني فيحوّل اختلال موازين القوة إلى حجة لتبرئة من استخدموا السلاح لإسقاط الترتيبات الدستورية.

 

كذلك ينبغي التمييز بين فشل القوى المدنية، وفشل مشروع الانتقال الديمقراطي، وفشل الانتقال المدني. فالأول يتعلق بأداء الفاعلين وأخطائهم السياسية؛ والثاني يتعلق بعجز المسار عن تفكيك بنية السلطوية وإقامة مؤسسات تضمن التداول السلمي للسلطة؛ والثالث يصف انهيار العملية التي كان يفترض أن تنقل السودان من الشراكة العسكرية ـ المدنية إلى حكم مدني دستوري. هذه مستويات متداخلة، لكنها ليست مترادفة. ولا يثبت انهيار تجربة بعينها فشل الديمقراطية، كما لا يثبت إخفاق المدنيين أن الحكم العسكري هو البديل الصالح.

 

جاء انقلاب أكتوبر ليكشف أن الانتقال لم يكن محميًا بمؤسسات تستطيع إلزام مراكز القوة المسلحة، وأن الشراكة لم تتحول إلى خضوع دستوري متبادل. ولم يكن الانقلاب مجرد تصحيح لمسار معوج، كما وصفه قادته، بل إلغاءً بالقوة للتسوية التي استندت إليها المرحلة الانتقالية. ثم جاءت حرب 15 إبريل 2023 لتكشف، على نحو أكثر مأساوية، أن أزمة السودان تتجاوز التنافس على الحكومة إلى تعدد مراكز القوة المسلحة، وعجز الدولة عن احتكار القوة المشروعة وإخضاعها لقانون واحد.

 

بعد خمس سنوات، لا ينبغي أن تكون المراجعة بحثًا عن طرف مدني نحمّله وحده مسؤولية الكارثة، ولا محاولة لإعفاء القوى المدنية من أخطائها، ولا حنينًا إلى مؤسسات نظام الإنقاذ لمجرد أنها كانت قائمة، المطلوب أن نفهم لماذا عجزت الثورة عن تحويل لحظتها الشعبية إلى تغيير مستدام في بنية الدولة، ولماذا ظلت القوة المسلحة قادرة على تعطيل الانتقال، ولماذا لم تتحول المؤسسات الدستورية إلى شرط لشرعية الحكم واستمراره.

 

إن الدرس الأهم من 25 أكتوبر ليس أن المدنيين لا يصلحون للحكم، بل أن تغيير الحكومة من دون تغيير بنية السلطة يترك الثورة رهينة مراكز القوة التي ورثتها. فالسودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج شراكة عاجزة، ولا إلى استبداد عسكري جديد، بل إلى دولة تستمد شرعيتها من مواطنيها، وتخضع فيها القوات المسلحة للقانون والسلطة الدستورية، وتصبح فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والمواطنة أساسًا للحقوق، والانتخابات وسيلة لتفويض السلطة ومحاسبتها.

 

ذلك هو الانتقال الذي لم يكتمل. أما إعلان فشله النهائي، فليس حكمًا على تجربة مضت فحسب، بل تنازلًا عن السؤال الذي قامت الثورة من أجله.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...