أوان البوح

 أحمد عمران

 

المدرسة، كما عرفناها، صباحاتٌ تبدأ بوقع أقدام التلاميذ، وجرسٌ يعلن موعد الدرس، وسبورةٌ تتسع لحروف المعلم وأحلام الصغار، وفناءٌ تضج أرجاؤه بأصواتهم. المعلم يقف أمام تلاميذه وفي يده الكتاب، وفي صوته سلطة المعرفة. هكذا تبدو المدرسة في مخيلة كل شخص؛ عالمٌ صغير يتعلم فيه الطفل معاني النظام والاحترام والحوار.

ولكن لك أن تتخيل شخصا هائجا يدخل على التلاميذ ليقطع ذلك الهدوء وتلك الأناشيد، مشهرا سلاحه في وجه معلم، ويصفعه بسبب عقوبة تلقاها ابنه من المعلم! هذه الصفعة لم تكن في وجه المعلم فحسب، بل كانت صفعةً في جبين المجتمع برمته.

 

المشكلة ليست في أن رجلا اختلف مع معلم في طريقة المعاقبة على خطأ؛ فالاختلاف مع المعلم أمر طبيعي، ومراجعة أسلوبه في العقاب حق لأولياء الأمور. ولكن المشكلة في الوسيلة التي اختيرت لحسم الخلاف. فإن كان المعلم قد أخطأ في العقوبة، يمكن محاسبته، ولكن هل يحق لولي الأمر اقتحام المدرسة وإهانة المعلم؟ هل يتحول الاعتراض إلى إشهار سلاح أمام الأطفال؟ عندئذٍ لم تعد القضية تربوية؛ بل أصبحت قضية أمن وسلطة وهيبة دولة.

ومن ناحية أخرى، فإن المعلم ليس فوق النقد، وليس معصوما من الخطأ، والعقاب المدرسي نفسه ينبغي أن يخضع للوائح والمعايير التربوية. لكن منذ متى أصبح الخطأ التربوي يُعالج بالتهديد المسلح؟ وحتى لو أخطأ المعلم، فإن الخطأ لا يسقط حقه في الأمان والكرامة.

وبين هذا وذاك، بين المعلم وولي الأمر، ماذا رأى الطفل؟ وماذا تعلم في تلك اللحظة؟

هل تعلّم التلميذ أن المدرسة مكان للقانون؟ أم تعلم أن الأقوى والأكثر قدرة على التخويف هو صاحب الكلمة الأخيرة؟ ماذا سيقول المعلم بعد ذلك عندما يطلب من تلميذه احترام القانون؟ وماذا سيحدث لسلطة مدير المدرسة إذا عرف الجميع أن أي خلاف يمكن أن يجلب مسلحا إلى باب المدرسة؟ إن مفهوم المدرسة الآمنة ليس ترفاً؛ فالمدارس ينبغي أن تكون فضاءاتٍ آمنة خالية من العنف والأذى، بما يضمن استمرار الأطفال في التعليم.

ولو اختزلنا الحادثة الأولى في غضب عابر، فماذا عن واقعة أخرى مشابهة، تمثلت في الاعتداء على مديرة مدرسة؟ وثالثة قد تحدث غداً، فالأمر تجاوز الأشخاص ليصبح ظاهرة في التعامل مع المعلمين. وعندما يتكرر الاعتداء على معلم أو معلمة أو مدير داخل حرم المؤسسة التعليمية، فإننا لا نكون أمام مشاجرة مدرسية، وإنما أمام ظاهرة تمس سلطة المدرسة ذاتها.

هل يمكن أن نطالب المعلم بأن يربي طفلا على احترام السلطة والقانون، بينما نعجز عن حماية المعلم نفسه من انتهاك القانون داخل مدرسته؟

وفي المقابل، فإن هيبة المعلم لا تعني منحه سلطة مطلقة، وإنما تعني أن يُحترم أثناء أداء عمله، وأن تكون له حماية مؤسسية، وأن تُراجع أخطاؤه عبر الإجراءات القانونية. ولكن لا ينبغي أن يتحول باب المدرسة إلى ساحة لتصفية الحسابات، ولا أن يخشى المعلم من ولي أمر غاضب لأنه مارس صلاحية تربوية.

إذا كان المعتدي رجلا سبق أن خدم في مؤسسة يفترض أنها تعرف معنى الانضباط والقانون، أو لا يزال على رأس عمله في تلك المؤسسة، فإن المفارقة تصبح أكثر إيلاما. فكيف يصل مفهوم السلطة إلى المدرسة محمولا على السلاح، بدلاً من أن يصل إليها في صورة احترام للقانون!

 

من يحمي المعلم؟

ليس المقصود حارسا يقف على باب المدرسة، بل منظومة حماية متكاملة: لائحة واضحة تحكم علاقة المدرسة بالطالب وولي الأمر؛ وآلية شكوى يستطيع ولي الأمر استخدامها إذا رأى أن المعلم مخطئ؛ وإدارة مدرسية قادرة على التدخل قبل انفجار النزاع؛ وحماية أمنية للمؤسسات التعليمية تمنع دخول السلاح إلى المدرسة. وتشمل هذه المنظومة كذلك محاسبة المعتدي، مهما كانت صفته الاجتماعية أو السابقة الوظيفية، وحماية قانونية للمعلم أثناء أداء واجبه، وتوعية الأسر بأن الاعتراض على المعلم يكون عبر المؤسسة، وليس باستعراض القوة أمام الأطفال. المعلم ليس محميا من المحاسبة؛ بل نريد معلما محميا من الإهانة والتهديد، ومحاسبا بالقانون إذا أخطأ.

الوطن يعيش أزمة تعليمية قاسية، مع استمرار تعطّل التعليم في كثير من المناطق، ووجود أعداد كبيرة من الأطفال خارج المدرسة، فضلا عن تضرر البنية التعليمية بسبب الحرب.

فهل نحتاج إلى مزيد من العنف داخل المدرسة في بلد يحاول أن يعيد أبناءه إلى مقاعد الدراسة بعد حرب أنهكت المدرسة والمعلم والطالب؟ أم نحتاج إلى استعادة المدرسة باعتبارها آخر الأماكن التي ينبغي أن يعلو فيها صوت الكتاب على صوت السلاح؟

والمعلم نفسه يعيش أزمات متعددة؛ فلا يتوفر له الراتب الكريم، ولا البيئة الآمنة، ويفتقد الاحترام الاجتماعي والحماية القانونية والتدريب والتأهيل. فكيف يستطيع أن يؤدي وظيفته التربوية على الوجه الأكمل؟ المعلم ليس موظفا يقدم حصة وينصرف؛ هو أحد أعمدة بقاء المجتمع.

أي جيل نريد أن نخرج من المدرسة؟

جيل يدرك أنه إذا أخطأتَ، فناقش خطأك بالقانون، أم جيل يقول: إذا لم يعجبني قرار المعلم، أستدعي ولي أمري؟ الطفل الذي شاهد السلاح في يد الشخص الغاضب داخل المدرسة لن يتذكر فقط اسم المعلم الذي كان أمامه؛ سيتذكر درسا آخر لم يكن في المنهج: أن القوة قد تنتصر على القانون.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...