أحمد عمران

 

ثمة أسئلة لا ينبغي أن نخشى طرحها، حتى وإن كانت الإجابة عنها مؤلمة. ومن هذه الأسئلة: ماذا حدث للجامعات السودانية؟  ليس المقصود السؤال عن مباني الجامعات التي دمرتها الحرب، ولا عن القاعات التي تحولت إلى أنقاض، ولا عن المعامل والمكتبات التي نُهبت أو أحرقت. فذلك كله مأساة ظاهرة وموثقة، وقد أصابت الحرب أكثر من مائة مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.  لكنالسؤال الذي أقصده أقدم من الحرب ذاتها ، ولكن الحرب قد عمّقته وأظهرته على نحو أكثر قسوة: ماذا حدث لنوعية التعليم الجامعي السوداني ومخرجاته؟ ومتى بدأنا ننتقل من جامعة تصنع النخب العلمية والمهنية والفكرية إلى مؤسسة تمنح الشهادة، ثم تترك الخريج يبحث عن المعرفة والمهارة التي كان يفترض أن تكون قد اكتسبها داخلها؟ ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا السؤال يطرح في الوقت الذي بلغ فيه عدد الجامعات السودانية رقماً لم يكن أحد يتخيله قبل عقود.


كان التعليم العالي في السودان، حتى عقود قليلة مضت، محدوداً في مؤسساته، لكنه كان يمثل حدثاً استثنائياً في حياة الطالب والأسرة والمجتمع. ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي كانت منظومة التعليم العالي تضم جامعة الخرطوم، وجامعة أم درمان الإسلامية، وجامعة القاهرة فرع الخرطوم، إلى جانب إحدى عشرة كلية وثلاثة وعشرين معهداً، كان من أبرزها معهد الكليات التكنولوجية، الذي تطور لاحقاً إلى جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. وفي النصف الثاني من ذلك العقد بدأت خريطة التعليم العالي تتسع خارج العاصمة، بإنشاء جامعتي جوبا والجزيرة، ثم جاءت موجة التوسع الكبرى في التسعينيات، لتنتقل البلاد من منظومة محدودة العدد إلى عشرات الجامعات ومؤسسات التعليم العالي المنتشرة في مختلف الولايات. وكانت جامعة جوبا، التي أنشئت لتوفير التعليم وإعداد الكوادر اللازمة للتنمية والخدمة المدنية في جنوب السودان، مثالاً مبكراً على توجه التعليم العالي نحو الأقاليم، قبل أن تضطرها الحرب إلى الانتقال مؤقتاً إلى الخرطوم. ولم تكن الفكرة آنذاك أن كل مدينة يجب أن يكون فيها جامعة، أو أن الحصول على مقعد جامعي حق تلقائي لكل من أكمل المرحلة الثانوية. كان التعليم الجامعي محدود المقاعد، ولذلك كان القبول الجامعي نفسه حدثاً له وزنه. كان الطالب الذي يدخل الجامعة يعرف أنه دخل مؤسسة لها تقاليدها، وهيئة تدريسها، ومكتباتها، ومعاملها، ونظامها الأكاديمي، وسمعتها التي تتجاوز حدود السودان. ولذلك كان لقب خريج جامعة الخرطوم، أو خريج الجامعة الإسلامية، أو خريج جامعة الجزيرة يحمل في المجتمع دلالة تتجاوز مجرد الحصول على شهادة. لم تكن قيمة الخريج في الورقة التي يحملها، وإنما في المعرفة والمهارات والتكوين الفكري والانضباط المهني الذي يُفترض أن تكون الجامعة قد منحته إياه.

 

ولعل أوضح مثال على الدور الذي لعبته الجامعات السودانية في الحياة العامة هو جامعة الخرطوم. فقد كانت الجامعة، منذ أن أصبحت جامعة مستقلة بعد الاستقلال، واحدة من أهم المؤسسات التي تخرج منها الإداريون والأطباء والمهندسون والقضاة والدبلوماسيون والأكاديميون والسياسيون الذين شاركوا في بناء الدولة السودانية. ولم يكن هذا الدور مقتصراً على تخريج الموظفين. كان الحرم الجامعي نفسه مساحة للنقاش العام، وللتنافس الفكري والسياسي، ولتكوين القيادات. كانت الحياة الطلابية في جامعة الخرطوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالشأن السياسي الوطني، ولم يكن اتحاد طلاب الجامعة مجرد جهاز لخدمة الطلاب، بل كان معنياً أيضاً بـالقضايا الوطنية العامة، ولم تكن التنظيمات الطلابية في الجامعة مجرد انعكاس للسياسة السودانية، بل كانت قادرة أحياناً على التأثير فيها والضغط على القوى السياسية خارج الجامعة.  ولذلك لم يكن غريباً أن يكون طلاب جامعة الخرطوم في مقدمة الحراك الذي أسهم في ثورة أكتوبر 1964. وقد كانت احتجاجات طلاب جامعة الخرطوم في أكتوبر عنصراً أساسياً في الانتفاضة التي أسقطت نظام الفريق إبراهيم عبود. فقد كان للجامعة حينئذ وزن اجتماعي وأخلاقي وفكري.وكانت الجامعة جزءاً من عقل الدولة والمجتمع.

ومن هنا تبدأ المقارنة المؤلمة. من أربعة أو خمسة إلى عشرات الجامعات. لم تكن المشكلة في أن السودان وسّع فرص التعليم العالي، بل على العكس من ذلك  كان من الضروري أن تتوسع الجامعات جغرافياً، وأن يصل التعليم العالي إلى أبناء الأقاليم، وأن تصبح فرص الدراسة متاحة لشرائح اجتماعية أوسع. وقد كان من إيجابيات التوسع أنه خفف من مركزية التعليم العالي في الخرطوم، وفتح الباب أمام أعداد أكبر من النساء والطلاب من مختلف المناطق. لكن المشكلة بدأت عندما أصبح التوسع الكمي أسرع من القدرة على المحافظة على الجودة.

خلصت دراسة عن ثورة التعليم العالي في السودان إلى أن عدد الجامعات الحكومية ارتفع من نحو خمس جامعات في 1989 إلى ثلاثين جامعة في مرحلة لاحقة، وأن إجمالي مؤسسات التعليم العالي ارتفع إلى 69 مؤسسة. وفي الوقت نفسه حذرت الدراسة من أن التوسع السريع أدى إلى إهمال الدور البحثي للجامعة، وإلى ضعف التمويل والكوادر والبنية التحتية، وإلى التركيز على التدريس على حساب البحث العلمي.  وهكذا  زاد عدد الجامعات، لكن لم يزد بالضرورة عدد الجامعات القوية. وزاد عدد الطلاب، لكن لم يزد بالقدر نفسه الاستثمار في الأستاذ والمعمل والمكتبة والبحث العلمي. واتسعت الشهادة الجامعية، بينما لم تتسع بالقدر نفسه قيمة الشهادة.

اليوم، ووفق تصريح وزير التعليم العالي والبحث العلمي في أبريل 2026، يوجد في السودان 35 جامعة حكومية، بينما يضم قطاع التعليم الأهلي والخاص 129 جامعة وكلية ومؤسسة، بينها أكثر من 80 جامعة بحسب التصريح نفسه. هذه أرقام ضخمة إذا قورنت بتاريخ التعليم العالي السوداني. لكن السؤال ليس: كم جامعة لدينا؟ السؤال الأصعب هو: كم جامعة من هذه الجامعات قادرة على إنتاج المعرفة؟ وكم منها يمتلك هيئة تدريس كافية ومستقرة؟ وكم منها لديه معامل ومكتبات ومراكز بحث حقيقية؟ وكم منها يراجع مناهجه بصورة دورية؟ وكم منها يقيس مخرجاته بما يحتاجه سوق العمل؟ وكم منها يستطيع أن يقول بثقة إن خريجه أفضل معرفة ومهارة وقدرة على التفكير من الطالب الذي دخل المؤسسة قبل أربع سنوات؟

ومن سخريات الأقدار في المشهد التعليمي السوداني أن يصل الطالب إلى نهاية سنواته الجامعية، ويحصل على شهادة البكالوريوس، ثم يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن دورة تقوية أو دورة مهارات أو كورس تأهيل حتى يصبح قادراً على المنافسة في سوق العمل. لا أقصد بالطبع أن كل دورة تدريبية بعد الجامعة دليل على فشل الجامعة. فالعالم كله يتغير بسرعة، والخريج يحتاج إلى التعلم المستمر. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الدورات الخارجية تعويضاً عن أساسيات كان يفترض أن تكون الجامعة قد أرستها. أن يتخرج طالب في اللغة الإنجليزية ثم يحتاج إلى دورة مكثفة حتى يتمكن من استخدام اللغة في العمل. أن يتخرج آخر في الحاسوب ولا يستطيع التعامل بثقة مع الأدوات الأساسية في تخصصه. أن يتخرج ثالث في إدارة الأعمال ولا يمتلك الحد الأدنى من مهارات الكتابة والعرض والتحليل. أن يحصل خريج على شهادة جامعية ثم يكتشف صاحب العمل أن عليه أن يبدأ معه من الصفر.

وهناك دراسات تناولت هذه الفجوة في السودان. فقد خلص بحث عن سياسات التعليم العالي وبطالة الخريجين إلى وجود مشكلة في المواءمة بين سياسات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل. كما أظهرت دراسة حديثة شملت 205 من خريجي الطب البيطري في السودان أن 36.6% من العينة كانوا عاطلين عن العمل، و24.4% يعملون لحسابهم الخاص، مع تفاوت واضح في نتائج التوظيف بين الجامعات.  وفي دراسة أخرى عن اللغة الإنجليزية لدى خريجين سودانيين، أفاد غالبية المشاركين بأن مقرراتهم الجامعية لم تكن كافية لتلبية احتياجاتهم في بيئة العمل. فهناك أدلة بحثية على وجود فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه عندما يخرج إلى الحياة المهنية.

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو: أين ذهب الأستاذ الجامعي؟ ليس المقصود مكانه الجغرافي، وإنما مكانته. فالجامعة القوية تبدأ بأستاذ قوي. الأستاذ الذي يدرّس، ويبحث، ويكتب، ويناقش، ويختلف، ويشرف على طلاب الدراسات العليا، ويشارك في المؤتمرات، ويتابع الجديد في تخصصه، ويعيد النظر في ما يدرسه كل عام. أما حين يتحول الأستاذ إلى مجرد موظف يؤدي ساعات تدريس محددة، ويتحول الطالب إلى متلقٍ ينتظر الامتحان، وتتحول الإدارة الأكاديمية إلى إجراءات تسجيل وامتحانات وشهادات، فإننا نكون قد فقدنا جوهر الجامعة. وهذا أحد الدروس المهمة التي يمكن استخلاصها من تجربة التعليم العالي السوداني خلال العقود الماضية.

فالدراسة التي تناولت آثار ثورة التعليم العالي أشارت صراحة إلى أن التوسع السريع، مع نقص الكوادر المؤهلة والبنية التحتية، انعكس سلباً على جودة البحث العلمي. كما أشارت إلى ضعف التمويل، وغياب سياسات بحثية كافية، ومشكلات الحرية الأكاديمية واللغة الإنجليزية باعتبارها عوامل في تراجع البحث العلمي.

ومن الإنصاف ألا نجعل ثورة التعليم العالي شماعة لكل ما حدث. فقد كانت لها جوانب إيجابية حقيقية. لقد وسعت قاعدة الالتحاق بالتعليم العالي، ونقلت الجامعات إلى الولايات، وفتحت فرصاً لم تكن متاحة سابقاً لقطاعات واسعة من المجتمع. لكن الخطأ كان في الاعتقاد بأن إنشاء جامعة أسهل من بناء جامعة. الجامعة ليست مبنى ولا لافتة ولا مكتب مدير. الجامعة منظومة من الأستاذ والطالب والمنهج والمكتبة والمعمل والبحث والحرية الأكاديمية والإدارة والتمويل والتقييم. يمكن أن نبني مبنى في عام. لكن بناء تقليد أكاديمي قد يحتاج إلى جيل كامل.

ثم جاءت ثالثة الأثافي حرب أبريل 2023 لتزيد الطين بلة وتضع النظام كله أمام امتحان لم يكن مستعداً له. فقد أصابت الحرب مؤسسات التعليم العالي في مقتل. وتفيد دراسة منشورة في Journal of Adult and Continuing Education بأن 104 مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي تأثرت مباشرة بين أبريل 2023 وديسمبر 2024، وأن الخرطوم والجزيرة كانتا الأكثر تضرراً. كما أدى الصراع إلى نزوح واسع للطلاب وأعضاء هيئة التدريس وتوقف العملية الأكاديمية في مؤسسات عديدة.

وتشير اليونسكو إلى أن نحو 80% من مؤسسات التعليم العالي في السودان لم تكن تعمل في أبريل 2026 بسبب تداعيات الحرب.  ومع ذلك، فقد أظهرت الحرب شيئاً آخر يستحق التقدير: قدرة الأكاديميين السودانيين على المقاومة والاستمرار. فبعض الجامعات نقلت نشاطها إلى ولايات أكثر أمناً، وبعضها استخدم التعليم الإلكتروني، وبعض الأساتذة واصلوا التدريس في ظروف بالغة الصعوبة. ووثقت دراسات حديثة تجارب لاستمرار التدريس والامتحانات رغم تشتت الطلاب والأساتذة.  وهذا الجانب ينبغي ألا يضيع وسط النقد.

كما  أوجدت الحرب ظاهرة لم تكن مألوفة بهذا الحجم: الجامعة السودانية خارج السودان. انتقلت مراكز جامعية إلى مصر، والسعودية، وشرق أفريقيا، ووجدت بعض الجامعات نفسها تدير نشاطاً تعليمياً خارج حدود البلاد. وفي رواندا تحديداً أصبحت جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا مثالاً لافتاً؛ فقد أنشأت وجوداً أكاديمياً هناك، بينما استمر طلاب سودانيون في دراسة الطب والتخصصات الصحية في بيئة رواندية. وأفادت مصادر عن وجود مئات الطلاب السودانيين في رواندا خلال الحرب، كما أن للجامعة اليوم حرمها الرئيسي في كيغالي.

وفي دراسة حديثة عن التعليم الطبي في السودان أثناء الحرب، تبيّن أن 19 من أصل 27 مؤسسة طبية شملها المسح كانت قد انتقلت من مواقعها الأصلية؛ عشر منها انتقلت داخل السودان، وخمس انتقلت إلى السعودية أو رواندا، وأربع أصبحت تستضيفها مؤسسات أخرى في الخارج.  هذه الظاهرة كانت في بدايتها ضرورة لإنقاذ العام الدراسي وإنقاذ الطلاب، ولذلك لا يصح النظر إليها كلها بعين النقد. لكنها في الوقت نفسه تكشف شيئاً مهماً: عندما يصبح الطالب السوداني قادراً على أن يدرس تخصصه في جامعة سودانية خارج السودان، فإن السؤال لا يعود فقط: لماذا خرجت الجامعة؟ بل يصبح أيضاً: ما الذي جعل البيئة التعليمية في الداخل عاجزة عن الاحتفاظ بها؟ ولهذا ينبغي الترحيب بالعودة. من هنا أرى أن قرار وزارة التعليم العالي بإعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية قرار ينبغي الترحيب به من حيث المبدأ. في يونيو 2026 أصدرت الوزارة قراراً بإلزام مؤسسات التعليم العالي بالعودة إلى مقارها الأصلية بحلول الأول من أغسطس، مع وقف العمل بالمراكز والمواقع البديلة.  وفي يوليو أكدت الوزارة أن العودة الكاملة إلى المقار الأصلية خيار استراتيجي، وأنها تعمل على معالجة التحديات المصاحبة له. وبحلول أغسطس أعلنت الوزارة أن العودة أصبحت واقعاً، وأن عدداً من الجامعات استعاد نشاطه الأكاديمي في مقارها.

ليس من العدل أن نحاكم الجامعات السودانية اليوم بمعايير زمن السلم، وهي خارجة من حرب دمرت المباني، وفرقت الطلاب، وشردت الأساتذة، وأتلفت المكتبات والمعامل، وليس من الحكمة أيضاً أن نجعل الحرب سبباً لعدم رؤية المشكلات التي سبقتها. الحرب دمرت الجامعات، لكنها لم تبدأ كل مشكلاتها. كانت هناك قبل الحرب مشكلات في الجودة، والبحث العلمي، والتمويل، والحوكمة، والمواءمة مع سوق العمل، وتفاوت واضح بين المؤسسات.  لذلك فإن إعادة الجامعات إلى السودان ينبغي أن تكون أكثر من عودة جغرافية. ينبغي أن تكون عودة إلى معنى الجامعة، عودة إلى الأستاذ، عودة إلى الكتاب، عودة إلى المعمل، وعودة إلى البحث، عودة إلى النقاش،  وقبل ذلك عودة إلى الإيمان بأن السودان لا يستطيع أن يبني مستقبله بكثرة الشهادات، وإنما بنوعية العقول التي تصنعها جامعاته.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...