أحمد عمران
في دراسته في الأدب المقارن بعنوان "تأثير الشعراء الإنجليز المحدثين على الكتّاب العرب"، يتوقف الدكتور حسن عباس صبحي عند أثر التجربة الشعرية الإنجليزية الحديثة لدى عدد من الشعراء العرب المعاصرين، وفي مقدمتهم بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور. ومن بين أكثر الجوانب التي استوقفت هؤلاء الشعراء ما اتصل بتجربة ت. س. إليوت في توظيف الأسطورة والفولكلور، وما أتاحه هذا التوظيف من إمكانات جديدة أمام القصيدة الحديثة للخروج من وضعها المباشر، واستيعاب التجربة الإنسانية في أبعادها التاريخية والنفسية والحضارية.
ولم تكن الأسطورة مجرد مادة يستعيرها الشاعر من ماضٍ بعيد، أو أسماء وشخصيات يضفي بها على قصيدته مسحة من الغرابة والثقافة، وإنما غدت أداة فنية وبنية دلالية يتوسل بها الشاعر إلى قراءة الحاضر في ضوء الماضي، وإلى اكتشاف ما يربط التجربة الإنسانية الحديثة بالأنماط والرموز التي اختزنتها الذاكرة عبر العصور. وقد كان إليوت، من خلال ما اصطلح عليه بـ "المنهج الأسطوري "(The Mythical Method)، من أبرز من منحوا هذا الاستخدام للأسطورة مشروعيته الفنية في الشعر الحديث، حين جعل الأسطورة وسيلة لإضفاء النظام والدلالة على عالم يبدو، في ظاهره، مفككاً وفوضويا.

في هذا الإطار، يلفت الدكتور صبحي النظر إلى أن قراءة أعمال إليوت وإديث سيتويل وغيرهما من الشعراء الإنجليز المحدثين قد نبّهت عددا من الشعراء العرب إلى القيمة الفنية للأسطورة والحكاية والأمثال، وأقنعتهم بإمكان تحويل هذه العناصر، سواء أكانت مستمدة من التراث العربي أم من خارجه، إلى قوى فنية حية وفاعلة في بنية القصيدة. ويبدو أن بدر شاكر السياب كان أكثر هؤلاء الشعراء وعيا بهذه الإمكانات؛ إذ لم يتلقَّ الأسطورة بوصفها تقنية غربية جاهزة، ولم يقف عند حدود محاكاة إليوت في استعمالها، وإنما سرعان ما أعاد اكتشافها من داخل ذاكرته الحضارية وتجربته العراقية الخاصة. ومن هنا أخذت الأسطورة عنده تتجاوز وظيفتها الإيحائية العابرة لتصبح عنصرا بنائيا في القصيدة، تتفاعل من خلاله أساطير بلاد الرافدين، ولا سيما أسطورة تموز، مع قضايا الموت والخصب والجفاف والبعث، ومع تجربة العراق والعالم العربي في العصر الحديث.
لعل ما يكتسب أهمية خاصة هنا أن السياب نفسه كان مدركا للدور الذي يمكن أن تنهض به الأسطورة في تجديد الشعر العربي؛ بل إنه أفصح عن هذا الوعي في حديثه عن دوافع استخدامه لها، رابطًا بين خلل الدلالة في اللغة الحديثة وبين ما تتمتع به الأسطورة من قدرة متجددة على الإيحاء. ومن ثم فإن الوقوف عند علاقة السياب بإليوت لا ينبغي أن ينتهي إلى القول بمجرد "تأثر" شاعر عربي بشاعر إنجليزي، وإنما ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى السؤال الأعمق: كيف استوعب السياب المنهج الأسطوري الذي اهتدى إليه إليوت، ثم أعاد تشكيله بما يلائم ذاكرته من بلاد الرافدين وتجربته العراقية، ورؤيته الخاصة للشعر؟
يقول السياب إنه اتخذ الأسطورة عاملا فنيا أساسيا في شعره، وشرح لنا لماذا كان يميل إلى ذلك. يقول: "ما الذي يدفعنا إلى استخدام الأسطورة في الشعر هو أن الكلمات في المجتمعات الإنسانية في عصرنا قد فقدت دلالاتها الأصلية. أما الأساطير، فإنها تظل في جميع الأوقات جديدة وأصيلة. ثم إن استخدام الأسطورة ليس أمرا جديدا على الشعر العربي. ولعل شاعرنا العربي الشهير أبا تمّام كان أول عربي، بين شعراء العالم، يستخدم الأسطورة في الشعر. ولو أن الشعراء العرب الذين جاؤوا بعد أبي تمّام اتبعوا نهجه الشعري، لكان بيننا اليوم شعراء عرب ينافسون أمثال ت. س. إليوت، وإديث سيتويل وغيرهما، ممن وظفوا الأساطير في شعرهم بنجاح".
هذا ما قاله السياب عن مسألة الأسطورة في الشعر؛ وهو يكشف، بلا شك، عن عمق إدراكه للعناصر الضرورية لإثراء الشعر العربي، كما يكشف في الوقت نفسه عن طموحه إلى بلوغ مستوى شعراء كبار مثل ت. س. إليوت وإديث سيتويل وغيرهما. والحقيقة أن السياب كان واحدا من قلة نادرة من الشعراء العرب المعاصرين الذين استطاعوا أن يوظفوا الأساطير وغيرها من عناصر الفولكلور، كالحكايات والأمثال، بوصفها مكوّنات حية وفاعلة في العملية الشعرية، مما أضفى على شعره حيوية وصدقا وواقعية.
وليس من قبيل المصادفة أن يلتقي وعي السياب بما أشار إليه الدكتور صبحي في حديثه عن أثر الشعر الإنجليزي الحديث؛ فقد لفتت قراءات أعمال إليوت وإديث سيتويل وغيرهما انتباه عدد من الشعراء العرب إلى الأهمية الفنية للأسطورة والفولكلور، وأدرك هؤلاء أن الحكايات والأمثال والأساطير يمكن أن تتحول، داخل القصيدة، إلى طاقة فنية تتجاوز حدود الاقتباس أو الزينة الثقافية.
في "الأرض اليباب The Waste Land" ــ يصبح الماء والمطر في مواجهة عالم أصابه الجفاف والعقم؛ فالماء ، والمطر، والجفاف ليست مجرد مفردات تصف ظواهر طبيعية، وإنما تتحول إلى علامات رمزية داخل شبكة دلالية تستدعي الموت والخصب والبعث. ومن هنا تتضح إحدى أهم سمات المنهج الأسطوري عند إليوت: تحويل العناصر والصور المألوفة إلى رموز تتجاوز معناها المباشر، بحيث تتصل بالتجربة الإنسانية في أبعادها التاريخية والحضارية والنفسية.

وقد أفاد السياب من هذا الإمكان الفني، لكنه لم يكتفِ بتكرار الدلالة الإليوتية أو باستعارة رموزها كما هي، بل أعاد تشكيلها انطلاقا من تجربته الخاصة وذاكرته العراقية. ويظهر ذلك بوضوح في قصيدته "أنشودة المطر The Song of the Rain"، حيث يبدأ المطر في سياق حميمي وجمالي، مرتبطًا بالمرأة والطبيعة والخصب، فيقول:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر،
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.
عيناك حين تبتسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر»
ويترجمها دكتور صبحي:
Your eyes are two groves of palm-trees
During the hour of dawn,
Or two balconies from which
The moon has started to depart,
When you smile your eyes like the vines bloom
And lights dance like moons in a river...
غير أن هذه الصورة الجمالية لا تبقى على حالها؛ إذ يتسع مجال الرمز تدريجيا، وينتقل المطر من كونه صورة للطبيعة والحب إلى أن يصبح صوتا من أصوات العراق وذاكرته، يقول السياب:
أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السهول والجبال
I almost hear Iraq hoarding thunders,
Storing lightning in the plains and in the mountains.
ثم يقول:
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر
I almost hear the palm-trees drinking rain.
وهنا تتكشف المسافة التي تفصل تجربة السياب عن مجرد تقليد إليوت. فالمطر، الذي ارتبط في "الأرض اليباب" بالخلاص من الجفاف والعقم، يدخل عند السياب في شبكة رمزية أكثر اتصالًا بالواقع العراقي؛ إنه مطر الأرض، لكنه في الوقت نفسه مطر الذاكرة، ومطر الحلم بالخلاص، ومطر الوطن الذي يعاني الفقر والجوع والخراب. ولذلك تأتي المفارقة الحاسمة في قوله:
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
فالماء لا يؤدي بالضرورة إلى الخصب، والغلال لا تعني بالضرورة الشبع؛ إذ يمكن للأرض أن تمتلئ بالمطر والثمر، بينما يظل الإنسان جائعا. وبهذا ينتقل الرمز من مستواه الطبيعي إلى مستوى اجتماعي وتاريخي، ويتحول المطر إلى أداة للكشف عن التناقض بين إمكانات الأرض ومعاناة الإنسان. ومن هنا يمكن فهم طبيعة الصلة بين السياب وإليوت على نحو أدق. فليس المقصود أن السياب أخذ من إليوت مجموعة من الأساطير أو الرموز ثم أعاد استخدامها في شعره، وإنما الأهم أنه أفاد من الطريقة التي جعل بها إليوت الأسطورة والذاكرة الثقافية جزءا من البناء الشعري الحديث. فالأسطورة عند إليوت ليست مادة خارجية تُضاف إلى القصيدة لتزيينها، وإنما هي جزء من مخزون الشاعر الثقافي، تستدعيها الذاكرة حين تتقاطع التجربة الحاضرة مع أنماط إنسانية قديمة، ثم يعيد العقل الشعري تنظيمها داخل بناء جديد. وهذا بالضبط ما فعله السياب حين انتقل من الاستفادة من المنهج الأسطوري الإليوتي إلى البحث في ذاكرته الحضارية الخاصة. فإذا كان إليوت قد وجد في الأساطير الأوروبية والشرقية وفي التراث الديني والأدبي مادة تساعده على بناء رؤيته للعالم الحديث، فإن السياب وجد في تراث بلاد الرافدين، ولا سيما في أساطير تموز، مادة أكثر التصاقا بوجدانه وبالبيئة التي نشأ فيها. ومن ثم أصبحت الأسطورة عنده وسيلة لقراءة الحاضر العراقي من خلال ماضي الرافدين، وربط الموت بالجفاف، والخصب بالبعث، والخراب بإمكان التجدد.
وبذلك فإن تأثر السياب بإليوت لا ينبغي أن يُفهم بوصفه محاكاة أو تقليدا، وإنما بوصفه استيعابا لمنهج شعري وإعادة إنتاج له داخل سياق حضاري مختلف. لقد تعلم السياب من إليوت أن الأسطورة يمكن أن تتحول إلى لغة للحاضر، وأن الذاكرة الثقافية قادرة على أن تمنح القصيدة الحديثة عمقا يتجاوز اللحظة المباشرة؛ لكنه، في الوقت نفسه، أعاد توجيه هذا المنهج نحو تراث العراق والرافدين، فاستحضر تموز وبابل وعشتار، وأعاد خلقها داخل تجربته الشعرية.
وهكذا تحولت الأسطورة عند السياب من موروث ساكن إلى طاقة شعرية حية، قادرة على التعبير عن تجربته الفردية والجماعية، وعن الموت والجفاف والخراب، وفي الوقت نفسه عن الحلم بالخصب والبعث والحياة. ومن هنا يمكن القول إن قيمة إليوت بالنسبة إلى السياب لم تكن في أن يزوّده بالأسطورة، بل في أن يكشف له كيف يمكن للأسطورة أن تصبح طريقة في بناء القصيدة وطريقة في رؤية العالم. وهذه هي النقطة التي تجعل تجربة السياب امتدادا خلاقا للمنهج الأسطوري عند إليوت، لا مجرد صدى له.




التعليقات (0)
جاري التحميل...