إستراحة

أحمد عمران

 

نشرت صحيفة ديلي تلغراف الأسترالية (سيدني) في عددها الصادر في 20 أغسطس 2026، حكاية رجل أسترالي قرر أن يخوض تجربة غير مألوفة: أن يتناول الغداء مع 500 شخص لا يعرفهم، على مدى ست سنوات، ليرى ماذا يمكن أن يتعلم عن الآخرين… وعن نفسه.

في عام 2019، قرر نيك بندل (Nick Bendel) أن يضع نفسه أمام شيء كان يخشاه أكثر مما يحبّه: الغرباء.

لم يكن بندل من نوع الناس الذي يدخل إلى حفلة مزدحمة ويبدأ الحديث مع أول شخص يصادفه. بل كان -  كما يصف نفسه -  انطوائياً، وكانت المناسبات التي لا يعرف فيها أحداً مصدرا حقيقيا للقلق. أحيانا كان يتردد قبل الذهاب، وإذا اضطر إلى حضور مناسبة اجتماعية، يبحث سريعا عن وجه مألوف يلجأ إليه.

09.jpg

بل كان يجد في الحمام ملاذا هادئا في بعض المناسبات؛ ليس لأنه يحتاج إليه، وإنما لأنه المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن يختلي بنفسه بعيدا عن الناس!

ثم خطرت له الفكرة:

لماذا لا أواجه هذا الخوف بدلاً من الهروب منه؟

وهكذا بدأ المشروع.

كان يراسل أشخاصا، معظمهم عبر LinkedIn ويدعوهم إلى الغداء.

كانت البداية قاسية بعض الشيء. نحو 90% ممن دعاهم لم يستجيبوا.

لكنه لم يغضب من أحد.

يقول بندل إنه كان يتفهمهم تماما؛ ففي حياته السابقة، لو تلقى دعوة من شخص غريب لمقابلته على الغداء، فربما ظن أن صاحب الدعوة فقد عقله!

لكن القلة التي وافقت كانت كافية لبدء الرحلة.

 

غداء وراء غداء، ووجه وراء وجه، بدأ بندل يجلس إلى موائد لم يكن يتخيل يوما أنه سيجلس إليها. التقى مهنيين وأطباء نفسيين وكوميديين وطهاة وكهنة، وأشخاًا من مهن وخلفيات وتجارب مختلفة تماما عن عالمه.

وكان يظن في البداية أنه يفعل كل ذلك ليتعرف إلى الآخرين.

ثم اكتشف، بعد مئات الوجبات، أنه كان يتعرف إلى نفسه أيضا.

يشبّه بندل ما حدث له بملء حوض الاستحمام قطرة قطرة. لا تلاحظ شيئا في البداية، ثم تلتفت فجأة فتجد أن الماء ارتفع كثيرا.

وهكذا كانت تجربته.

شيئا فشيئا، أصبح أكثر انفتاحا، وأكثر تقبلا للأفكار المختلفة، وأكثر قدرة على فهم الناس وسلوكهم.

لكن أهم لحظات الرحلة جاءت مبكرا، في واحدة من أولى وجباته.

جلس أمام رجل ناجح وذكي، وكان بندل سعيدا أصلا بأن شخًا بهذه المكانة يرغب في مقابلته.

وخلال الحديث، بدأ الرجل يمدحه.

تحدث بإعجاب عن المشروع الذي أطلقه، وعن قدرته على القيادة، وعن الطريقة التي يدير بها هذه المغامرة الغريبة.

لكن بندل لم يصدقه.

كان صوته الداخلي يقول له:

إنه يجاملني فقط.

المفارقة أن الرجل الذي أمامه كان يرى في بندل أشياء إيجابية لم يكن بندل نفسه يراها.

ثم تكرر الأمر مع أشخاص آخرين.

أشخاص لا يعرف بعضهم بعضا، ولا يجمعهم شيء تقريبا، كانوا يقولون له أشياء متشابهة عن شخصيته وقدراته.

وهنا بدأ السؤال الحقيقي:

 

رجل وامرأة يبتسمان للكاميرا أثناء جلوسهما على طاولة طعام في مطعم. المرأة ذات ضفائر طويلة والرجل ذو لحية، ويظهر أمامهما أطباق متنوعة من الطعام.

إذا كان أشخاص مختلفون يرون فيّ الشيء نفسه، فلماذا لا أراه أنا؟

ربما، اكتشف بندل، لم تكن المشكلة في عيون الآخرين.

ربما كانت في الصورة القديمة التي كان يحملها عن نفسه.

كان الآخرون قد بدأوا يرونه كما أصبح، بينما ظل هو يراه كما كان.

وهنا حدث شيء مهم.

أدرك أنه ربما تجاوز بالفعل الشخص الذي كان يعتقد أنه هو، لكنه لم ينتبه إلى ذلك.

أحيانا لا يتغير الإنسان في اللحظة التي يكتشف فيها أنه تغير؛ بل يتغير أولا، ثم يحتاج إلى الآخرين كي يلفتوا نظره إلى التغيير.

لم تكن الحكاية عن الغداء.

أكمل بندل العدد الذي حدده لنفسه، والتقى الشخص رقم 500 في أغسطس 2025.

لكنه لم يتوقف.

فإذا كانت هذه التجربة، كما يقول، واحدة من أفضل الأشياء التي فعلها في حياته، فلماذا يتوقف لمجرد أنه وصل إلى الرقم 500؟

والحقيقة أن مشروعه لم يكن عن الطعام أصلا.

كان عن الشجاعة الاجتماعية؛ أن تفعل شيئا يخيفك، وأن تخاطر بالرفض، وأن تذهب إلى المكان الذي لا تشعر فيه بأنك مستعد بعد.

ومن بين أهم ما خرج به بندل من هذه الرحلة فكرة بسيطة، لكنها ليست سهلة:

الثقة لا تأتي دائمًا قبل الفعل.

أحيانا نفعل الشيء الذي نخاف منه أولا، ثم تأتي الثقة لاحقا.

كان ينتظر في الماضي أن يشعر بالثقة حتى يتصرف.

أما الآن، فيعتقد أن انتظار الثقة قد يعني ببساطة… أن تنتظر إلى الأبد.

وما أكثر ما نجهله عن الآخرين… وعن أنفسنا!

ربما كان أهم ما اكتشفه بندل حول مئات الموائد أن الشخص الذي يبدو واثقا وناجحا قد يحمل في داخله شكوكا لا يراها أحد.

قد تجلس أمام مدير كبير، أو طبيب، أو رجل أعمال، أو شخصية اجتماعية لامعة، وتظن أنك أمام شخص يعرف تماما إلى أين يذهب.

وربما هو، في داخله، يتساءل عن الشيء نفسه الذي تتساءل عنه أنت:

هل أنا جيد بما يكفي؟

وهنا تصبح حكاية الـ500 غداء أكبر من مجرد تجربة رجل أسترالي غريب الأطوار.

فربما نحتاج نحن أيضا، بين حين وآخر، إلى أن نجلس إلى مائدة لا نعرف من يجلس حولها.

ليس لكي نكتشف الآخرين فقط.

بل لكي نسمع منهم شيئا عن أنفسنا… قد نكون عاجزين عن رؤيته لوحدنا.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...