عمر النعيم

في زمن ليس بالبعيد، كان النجش سلوكاً محصوراً في زوايا مزادات السيارات، أو أروقة أسواق الماشية، أو مجالس المزادات التقليدية. كان المشهد يتطلب وجود شخص بجسده يقف وسط الزحام، يرفع صوته بالمزايدة على سلعة لا يملك أدنى رغبة في شرائها، هدفه الوحيد إغراء المشتري الحقيقي وإيهامه بأن السلعة ثمنها أضعاف قيمتها الفعلية. ولكن مع الطفرة التقنية المتسارعة، والانتقال الواسع نحو التجارة الإلكترونية والمنصات السحابية ومجموعات التواصل الاجتماعي، ارتدى هذا الخُلُق الذميم ثوباً حديثاً أكثر دقة وخفاءً، ليتسلل إلى شاشات هواتفنا الذكية تحت مسميات براقة ومدفوعة، ممارساً التضليل بأساليب مبتكرة تُعرف في فقهنا الإسلامي بـ«النجش».

إن النجش في جوهره الفقهي الأصيل هو أن يزيد الشخص في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو لا يريد شراءها حقيقة، بل ليدلس على الراغبين فيها ويجرهم إلى رفع السعر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الفعل نهياً صريحاً قاطعاً لما فيه من الغش والخديعة وأكل أموال الناس بالباطل، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تناجشوا»؛ الراوي: عبدالله بن عمر. وهذا النهي لم يكن محصوراً برقعة جغرافية أو وسيلة معينة، فالعلة في التحريم هي «التدليس والغش»، ومتى ما تحققت العلة في أي زمن أو أداة، أخذت الحكم الشرعي ذاته دون أدنى لبس.

وفي عصرنا الحالي، تحول النجش من مجرد كلمة تُقال في مزاد علني إلى منظومة كاملة من الممارسات الرقمية. نراه اليوم جلياً في منصات بيع السيارات والسلع المستعملة، حيث يتفق صاحب السلعة مع صديق أو حساب مستعار ليرفع السعر في التعليقات، أو ليضع سومات وهمية متتالية تدفع المشتري الحسن النية إلى الاندفاع وخوف تفويت الفرصة. كما يظهر في التطبيقات المخصصة للتقييم والمتاجر الإلكترونية عبر المبالغة في وضع النجوم الخمس، ويكتب مراجعات مدفوعة الأجر تُطري المنتج وتصفه بأوصاف خيالية لا تمت للحقيقة بصلة، أو من خلال حشد التفاعلات والتعليقات الإيجابية المزيفة لرفع أسهم منتج ضعيف الجودة.

إن خطورة النجش الرقمي تكمن في اتساع رقعة تأثيره وسرعة انتشاره. ففي الماضي كان الضرر يقع على أفراد معدودين داخل مجلس المزاد، أما اليوم فإن تقييماً مزيفاً واحداً أو مزايدة وهمية على منصة شهيرة قد تخدع آلاف المستهلكين في لحظات معدودة. هذا السلوك لا يقتصر أثره على إلحاق الضرر المادي بالمشتري الذي دفع أكثر مما تستحقه السلعة فحسب، بل يمتد ليعصف بمنظومة الثقة الرقمية كاملة، ويشيع حالة من الشك والريبة في التعاملات التجارية التي أضحت شرياناً رئيسياً للاقتصاد الحديث.

من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، يمثل النجش بكافة صوره وأشكاله انحداراً في القيم وتغليباً للمصلحة الفردية الجشعة على حساب الأمانة والشفافية. فالذي يمارس النجش -سواء كان بائعاً أو مشاركاً بالتواطؤ أو مقيماً بالنجوم الوهميين- يشارك في عملية خديعة مكتملة الأركان. وإن الأرباح والمكاسب الناتجة عن هذه الطرق الملتوية هي أموال محرمة طاهرة من البركة، لأن ما بني على باطل فهو باطل، والمال الذي يأتي عن طريق التدليس والغش يذهب ولا يبقى، ويورث صاحبه الحسرة في الدنيا والآخرة.

ولمواجهة هذه الظاهرة التي بدأت تتسلل إلى تفاصيل تعاملاتنا اليومية، لا بد من تضافر الجهود على أكثر من صعيد. يبدأ ذلك من تعزيز الوازع الديني والأخلاقي لدى الأفراد، وتذكير التجار والمستثمرين والمؤثرين عبر منصات التواصل بأن البركة في البيع والشراء مقرونة بالصدق والبيان، كما قال الرسول الكريم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما».

كما يقع على عاتق الجهات التنظيمية والرقابية وتطبيقات التجارة الإلكترونية تطوير خوارزميات صلبة وأدوات تدقيق صارمة تكشف الحسابات الوهمية والمزايدات المفتعلة، وتضع عقوبات رادعة لكل من يثبت تورطه في تقييمات مزيفة أو إعلانات مضللة. وفي المقابل، يتحمل المستهلك مسؤولية كبيرة تتمثل في الوعي والحرص، وعدم الاندفاع وراء التقييمات البراقة أو المزايدات السريعة دون التحقق المستقل والتأكد من جودة السلعة وسعرها العادل في السوق.

إن التجارة الحديثة بكل ما تمتلكه من أدوات تقنية متقدمة تبقى مجرد وسيلة لنقل المنافع بين البشر، ولن تستقيم هذه المنافع إلا إذا أحيطت بسياج متين من القيم والأخلاق والأمانة. وحماية أسواقنا الرقمية من آفات مثل النجش والتضليل ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل هي واجب شرعي ومسؤولية مجتمعية لحفظ أموال الناس وصيانة الثقة بين المتعاملين.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...