أحمد عمران

مع اقتراب موسم القبول في الجامعات السودانية كل عام، يتجدد سؤال قديم لدى الطلاب وأولياء الأمور، ولا سيما السودانيين المقيمين في الدول العربية: لماذا لا تُقبل النسبة التي حصل عليها الطالب في الشهادة العربية كما هي؟ ولماذا تخضع هذه النسبة للمعادلة عند منافسته على مقعد جامعي في السودان، فينقص منها أحيانا عشر درجات أو أكثر؟ ولماذا يحصل طالب على 98% أو 99% في الشهادة العربية، ثم يجد أنها لا تنافس بالقدر نفسه مع نسب أقرانه الحاصلين على الشهادة السودانية؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه مجرد خصم من درجات الطالب، وربما يراه البعض تفضيلا للشهادة السودانية على غيرها. لكن نظرة متأنية تقود إلى سؤال مختلف تماما: هل يمكن أصلا مقارنة النسب المئوية بين شهادات تصدر عن أنظمة تعليمية مختلفة، بمجرد وضع الرقم بجانب الرقم؟

تعود جذور هذه القضية إلى عقود مضت. ففي عام 1984م، رفعت جامعة الخرطوم مذكرة تناولت فيها مشكلة طلاب الشهادة الثانوية العربية، وأشارت إلى صعوبة استمرار بعضهم في الدراسة الجامعية. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الجهات التعليمية السودانية في البحث عن وسائل لمعادلة الشهادات غير السودانية بالشهادة السودانية، وتغيرت طرق المعادلة أكثر من مرة عبر السنوات، في محاولة للوصول إلى طريقة تجعل الشهادات المختلفة قابلة للمقارنة عند القبول الجامعي.

ولم تكن المعادلة دائما رقما ثابتا. فقد تغيرت طرقها عبر مراحل مختلفة، واستخدمت في بعض الفترات الإضافات والنسب والتقديرات والمعاملات، ثم ظهرت محاولات تعتمد على أساليب إحصائية. وهذا يعني أن الفكرة من الأساس لم تكن القول إن الطالب الحاصل على شهادة عربية أقل مستوى بعشر درجات، وإنما محاولة وضع نتائج أنظمة تعليمية مختلفة على مقياس يمكن استخدامه في منافسة واحدة.

لكن لماذا نحتاج إلى المعادلة أصلا؟ لأن النسبة المئوية التي تظهر في الشهادة لا تحمل المعنى نفسه بالضرورة في جميع الأنظمة التعليمية.

في الشهادة السودانية، يخضع الطالب في المرحلة الثانوية لامتحان قومي موحَّد، وتكون الدرجة التي يحصل عليها في كل مادة ناتجة عن الامتحان نفسه، وفق نظام موحَّد في المواد والامتحانات والتصحيح. ولا تدخل في الشهادة السودانية، بالطريقة المعمول بها في بعض الأنظمة العربية، درجات تمنحها المدرسة عن أعمال السنة لتكوين النسبة النهائية للطالب. وهنا تظهر نقطة جوهرية كثيرا ما تغيب عن النقاش.

في بعض أنظمة التعليم العربية، لا تكون الدرجة النهائية التي يحملها الطالب في شهادته ناتجة كلها عن امتحان نهائي موحَّد. ففي سلطنة عُمان - على سبيل المثال - تنص الوثيقة العامة لتقويم تعلّم الطلبة للصفوف من الأول إلى الثاني عشر على أن الدرجة النهائية للمادة من 100 درجة، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على أدوات تقويم مستمر متنوعة، مثل المشاريع والتقارير والاختبارات القصيرة وغيرها، وتُرصد للطالب درجات هذه الأدوات قبل الامتحانات النهائية.

وفي المملكة العربية السعودية، تتوزع درجة المادة على عدد من أدوات التقويم، تشمل الاختبارات القصيرة، ومهام الأداء، والواجبات، والمشروعات والتقارير والبحوث، والمشاركة والتفاعل، إضافة إلى اختبار نهاية الفترة. وتبلغ درجة اختبار نهاية الفترة 40 من أصل 100 ، بينما تتوزع الدرجات المتبقية على أدوات التقويم الأخرى.

وهذا لا يعني أن الطالبين لا يحصلان على النسبة النهائية بالطريقة نفسها. فإذا حصل طالب على 95 من 100، وكانت هذه الـ95 نتيجة امتحان موحَّد، فإنها تمثل أداءه في ذلك الامتحان. أما إذا حصل طالب آخر على 95 من 100 بعد أن تجمعت له الدرجات من الاختبارات القصيرة والمشروعات والواجبات والمشاركة والتقويم المستمر والامتحان النهائي، فإن الرقم 95 يمثل حصيلة مجموعة مختلفة من أدوات القياس.

وهنا يصبح السؤال المنطقي: هل يجوز أن نقارن الرقمين كما هما، أم ينبغي أن نعرف أولاً ماذا يمثل كل رقم؟

وهناك جانب آخر من الاختلاف في أنظمة التعليم لا يتعلق بطريقة احتساب الدرجة، وإنما بطريقة بناء المهارات نفسها. وأبرز مثال على ذلك استخدام الآلة الحاسبة.

في التعليم العام في السودان، يتعلم الطالب الرياضيات والحساب في المراحل الأساسية والمتوسطة والثانوية من دون الاعتماد على الآلة الحاسبة، ولا تدخل الآلة الحاسبة في ثقافة التعليم العام باعتبارها أداة يومية لحل العمليات الحسابية. ويظل الطالب مطالبا بإتقان العمليات الأساسية والحساب الذهني وحفظ جداول الضرب، قبل أن ينتقل إلى استخدام الأدوات الحسابية المتقدمة في التعليم الجامعي.

أما في بعض الأنظمة التعليمية الأخرى، فقد يُسمح باستخدام الآلة الحاسبة في مراحل أو مواد معينة. وعندما يتدرب الطالب سنوات طويلة على إجراء العمليات الحسابية بنفسه، فإنه لا يتعلم فقط الوصول إلى الإجابة، وإنما يطوّر الطلاقة الحسابية، والحساب الذهني، والقدرة على تقدير النتائج، والإحساس بالعلاقات بين الأعداد، واكتشاف الخطأ عندما تكون النتيجة غير منطقية.

خذ مثلا العملية البسيطة 25 × 16. الطالب الذي تدرب على الحساب الذهني يمكنه أن يصل إلى الإجابة 400 دون كتابة العملية كاملة، وربما دون أن يشعر أنه أجرى عملية حسابية معقدة أصلا. فهو يعرف أن 25 × 4 تساوي 100، وأن 16 تساوي أربعة أمثال الأربعة، فيستطيع الوصول إلى الناتج ذهنيا.

أما الطالب الذي اعتاد استخدام الآلة الحاسبة، فقد يكون أول ما يخطر بباله هو إدخال الرقمين والحصول على الناتج. كلاهما قد يصل إلى الإجابة الصحيحة، لكن المهارة التي مارسها العقل ليست بالضرورة واحدة. وهنا تكمن أهمية تدريب الطالب على الحساب الذهني في سنوات التعليم الأساسي والمتوسط والثانوي. فحفظ جدول الضرب، وإتقان العمليات الأساسية، والتعامل مع الأرقام من دون وسيط، ليست مجرد تقاليد مدرسية قديمة، وإنما أدوات تساعد الطالب على توفير الجهد العقلي عند الانتقال إلى مسائل أكثر تعقيدا.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل الآلة الحاسبة جيدة أم سيئة؟ وإنما: متى ينبغي أن يستخدمها الطالب؟ وهل يأتي استخدامها بعد امتلاك المهارات الأساسية أم قبل أن تترسخ هذه المهارات؟

وهذه المسألة لا تخص الرياضيات وحدها. فكل نظام تعليمي يبني لدى الطالب عادات معينة في التعلم والاسترجاع والحفظ والفهم والتطبيق، ثم تأتي الشهادة في النهاية لتقيس حصيلة هذه العملية.

وعندما نقارن بين الشهادة السودانية والشهادات العربية، فإننا في الحقيقة لا نقارن كتابا دراسيا بكتاب آخر، وإنما نقارن نظامين تعليميين كاملين: المناهج، وطريقة التدريس، ووزن الامتحان النهائي، وأعمال السنة، والتقويم المستمر، وطريقة التصحيح، والمواد المحتسبة في النسبة، وعدد المواد المؤهلة، وطبيعة الأسئلة، والزمن المخصص للامتحان، والأدوات المسموح باستخدامها، والتوزيع الإحصائي للدرجات بين الطلاب.

وهنا تبرز المقررات الدراسية في سلطنة عُمان بوصفها مقررات حديثة وحيوية، تحرص على مواكبة التطورات المعرفية والتربوية، وربط التعلم باحتياجات الطالب والعالم من حوله. ويظهر ذلك بصورة خاصة في مقررات اللغة الإنجليزية، التي تتميز بالاهتمام بالمهارات اللغوية المتكاملة، والتواصل، والفهم والتطبيق، إلى جانب تنوع الأنشطة والمواقف التعليمية، فضلا عن جودة تصميمها وتدرجها بما يدعم بناء قدرات الطالب بصورة عملية. ومن هنا، فإن القول إن طالبًا حصل على 98% لا يكفي وحده لمعرفة موقعه التنافسي مقارنة بطالب حصل على 98% في نظام آخر. فالرقم واحد، لكن الطريق إلى الرقم قد يكون مختلفا.

وهذه الحقيقة هي التي تجعل قضية المعادلة أكثر تعقيدا من عبارة «خصم عشر درجات».

فإذا كانت الغاية من المعادلة هي تحقيق العدالة في المنافسة على المقاعد الجامعية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: كم درجة خُصمت من الطالب؟ وإنما: على أي أساس حُددت هذه المعادلة؟ وكيف عُرفت القيمة المكافئة لنسبة الطالب في نظام آخر؟ هل استندت المعادلة إلى دراسة إحصائية حديثة؟ وهل جرت مقارنة توزيع الدرجات بين الشهادات المختلفة؟ وهل تختلف المعادلة من دولة عربية إلى أخرى بحسب طبيعة نظامها التعليمي؟ وهل تُراجع المعادلة كلما تغير نظام التعليم في تلك الدولة؟

هذه أسئلة مشروعة، بل ضرورية؛ لأن أنظمة التعليم نفسها تتغير، والمناهج تتطور بين فترة وأخرى.فإذا تغيرت طريقة احتساب الدرجات في بلد ما، أو زاد وزن الامتحان النهائي أو انخفض، أو تغيرت طريقة التقييم المستمر، أو تغيرت طبيعة الاختبارات، فمن الطبيعي أن تحتاج معادلة الشهادة إلى إعادة نظر.

فإذا كانت الغاية هي تحقيق العدالة في المنافسة الجامعية، فإن أفضل معادلة ليست تلك التي تعطي أفضلية مسبقة لشهادة على أخرى، وإنما تلك التي تستطيع أن تشرح بالأرقام والبيانات لماذا تمثل نسبة معينة في نظام تعليمي مستوى تنافسيا معينا في نظام آخر. ولا يقتصر ذلك على مقارنة النسبة المئوية النهائية، بل يشمل طبيعة الامتحان، ونسبة الدرجة الناتجة عن الامتحان الموحّد إلى الدرجة الناتجة عن التقويم المستمر، والمواد التي تدخل في النسبة، وطريقة التصحيح، وطبيعة الأسئلة، والأدوات المسموح بها، ثم - وهو الأهم - أداء الطلاب بعد التحاقهم بالجامعات.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...