أحمد عمران

 

الترجمة الأدبية من أصعب صُنوف الترجمة، ولعل السبب في ذلك أن المترجم لا ينقل فيها كلاما فحسب، وإنما يدخل إلى منطقة أعمق: منطقة التجربة والشعور والإيقاع والصورة. لا يقف فيها المترجم خارج القصيدة فيصفها كما يصف مشهدا رآه من نافذة قطار، بل عليه أن يدخلها، وأن يضع نفسه موضع صاحبها، وأن يتجاوب مع انفعاله، ثم يخرج بها إلى لغة أخرى من غير أن يفقدها ملامحها الأولى؛ وبذلك يفصّل للقصيدة ثوباً جديداً على مقاسها؛ فلا يكون الثوب فضفاضاً فتضيع فيه القصيدة، ولا ضيقا يخنقها ويمنعها من الحركة.

لقد ظل حلم الإنسان منذ أمد بعيد أن يجد لغة تتجاوز الحدود، فيتحدث المرء بلغته ويفهمه الآخر بلغته، مهما اختلف موطن الميلاد والبيئة والثقافة. وفي الروايات العلمية الخيالية ظهرت فكرة «المترجم الشامل» الذي يستطيع أن يفتح أبواب التواصل بين البشر، بينما حاول علماء اللغة ابتكار لغات مشتركة تحقق شيئا من هذا الحلم.

واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقرّب البشرية خطوة أخرى من ذلك الهدف. فقد أصبحت أدوات الترجمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تستخدم على نطاق واسع في مجالات متعددة؛ من ترجمة الوثائق القانونية إلى اللغات الأخرى، إلى ترجمة الروايات الموجهة إلى الأسواق العالمية، بل وحتى في المستشفيات التي تستخدم تقنيات الترجمة للتواصل المباشر مع المرضى بلغات متعددة.

ولا شك أن السرعة التي تعمل بها هذه الأدوات، والكم الهائل من النصوص التي تستطيع معالجتها، والقدرة التي تبديها في نقل المعاني من لغة إلى أخرى، أمور تثير الإعجاب. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على إنجاز ما كان يحتاج في السابق إلى وقت طويل وجهد بشري كبير. غير أن هذه القدرة، على اتساعها، تكشف في الوقت نفسه عن منطقة ما تزال أكثر استعصاء على الآلة: الترجمة الأدبية، والشعر على وجه الخصوص. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعرف اللغتين، بل يستطيع أن يعرف آلاف اللغات، ويستطيع أن يتعامل مع قدر هائل من المفردات والتراكيب. لكنه حين يدخل إلى الترجمة الأدبية لا يعود الأمر متعلقا بالمعنى وحده. فترجمة الشعر تحتاج إلى معرفة حميمة باللغتين، وإلى الإحاطة بثقافتيهما، وبطرائق رؤية العالم في كل منهما، وإلى القدرة على التقاط ما يمكن أن نسميه «روح اللغة» أو عالمها الثقافي والنفسي.

ولهذا يبدو الذكاء الاصطناعي، حتى مع تقدمه الكبير، أكثر تعرضاً للتعثر في ثلاثة مواضع أساسية: نقل الاستعارة، وفك تراكيب الجمل المعقدة، ونقل المزاج الشعوري والانفعال بطريقة إبداعية لا تكتفي بالمعنى المباشر.

وهنا تظهر المسافة بين ترجمة الكلمات وترجمة التجربة.

من النماذج السودانية البارزة في هذا الباب الدكتور حسن عباس صبحي، الذي اجتمع له الأدب العربي والأدب الإنجليزي، حتى غدا الأدب المقارن عنده أكثر من مجرد تخصص جامعي. ومن نماذج ترجماته البديعة ترجمته لقصيدة «العودة» للشاعر المصري إبراهيم ناجي  الذي ارتبط شعره بالعاطفة والحنين والحب والحزن وتأمل النفس. وقد جاءت قصيدة «العودة» من تجربة وجدانية واضحة: غاب ناجي عن داره وأحبابه في القاهرة فترة من الزمن، فلما عاد إليها وجد أن أهلها قد هجروها منذ حين، فأثارت في نفسه لواعج الشوق والحنين، وأخذ يناجي المكان كما يناجي إنسانا عزيزا فقده، ويبثه أحاسيسه الحزينة في شعر رومانسي مشبع باللوعة.

يقول ناجي:

هذه الكعبةُ كنّا طائفيها

والمصلّين صباحا ومساءَ

كم سجدنا وعبدنا الحسنَ فيها

كيف بالله رجعنا غرباء؟

 

والمعنى أن الشاعر يشير إلى دار أحبابه فيقول إنها كانت له ولأحبابه كالكعبة، يطوفون حولها ويصلّون فيها بخشوع للحسن المتجلي فيها صباحاً ومساء. ثم تأتي المفارقة المؤلمة: كيف عادوا إليها، فإذا بهم غرباء؟

هذه الخلفية مهمة جدا لفهم الترجمة؛ لأن المترجم الذي لا يرى خلف الكلمات هذه الحالة النفسية قد ينقل المعنى المعجمي، لكنه يفقد القصيدة نفسها.

وقد ترجم الدكتور حسن عباس صبحي المقطع:

 

صورة شخصية رسمية بالأبيض والأسود لرجل في منتصف العمر يرتدي بدلة وربطة عنق مخططة، وينظر مباشرة إلى الكاميرا بخلفية بسيطة.

“Ah! how many a time have we walked around this shrine,

And how many a time have we said our prayers there, both night and day?
How many a time have we knelt and worshipped Beauty there?
How does it happen that we return to it as a stranger?”

 

ولو ترجمنا الأبيات ترجمة مباشرة، كما تفعل أدوات الذكاء الاصطناعي، لأمكن أن تخرج صياغة مثل:

 

“This is the Kaaba around which we once circled,

And where we prayed, morning and evening.

How many times we bowed and worshipped beauty there—
How, by God, have we returned as strangers?”

 

لا تبدو الترجمة الآلية، للوهلة الأولى، خاطئة من الناحية المعجمية. بل إنها تنقل معظم المعاني الأساسية. لكنها تفقد شيئا جوهريًا من التجربة.

فالدكتور صبحي لم يتعامل مع «الكعبة» بوصفها مجرد اسم لمكان مقدس، وإنما اختار كلمة shrine، وهي كلمة تحمل في الإنجليزية ظلالا دينية وعاطفية، وتناسب انتقال المكان من معناه الجغرافي إلى معناه الوجداني. فدار الأحباب لم تعد مجرد بيت؛ لقد أصبحت مكانا مقدسا في ذاكرة العاشق.

وكذلك لم يترجم «الحسن» ترجمة جامدة، بل جعله Beauty، أي «الجمال»، لأن المقصود ليس عبادة شخص بمعنى العبادة الدينية، وإنما الخضوع لجمال المحبوب. ثم تأتي كلمة  Ah! في بداية الترجمة. وهي ليست كلمة عربية لها مقابل قاموسي مباشر في البيت، وإنما تنهيدة إنجليزية تفتح باب اللوعة قبل أن تبدأ الجملة. إنها إضافة صغيرة، لكنها من تلك الإضافات التي تكشف براعة المترجم.

وهنا تتجلى براعة دكتور صبحي في تفصيل الثوب على مقاس القصيدة. فهو لم يسأل فقط: ما الكلمة الإنجليزية التي تقابل الكلمة العربية؟ وإنما سأل: ما الكلمة التي تستطيع أن تؤدي الوظيفة الشعورية نفسها؟ والأهم من ذلك كله ختام المقطعas a stranger. كان يمكن أن يقال: «كغرباء»، أو «مثل الغرباء»، ولكن اختيار المفرد في  a stranger يجعل الغربة شخصية، كأن إنسانا واحدا عاد يحمل في داخله كل تاريخ المكان، فإذا به يجد نفسه غريبا فيه.

ويتجلى هذا الوعي اللغوي عند دكتور صبحي أيضا في ترجمته للحاردلو، في قوله:

الخبر الأكيد، قالوا البطانة اترشت
سارية تبقبق لي الصباح ما انفشت

حيث ترجمها:

The assured news said that Butana had been showered,
And the lightening bubbling till morning never stopped

فـ«السارية» هي المطر الذي يسري ليلا، وكلمة "سرى" أي جاء ليلاً كما في قول المرقش الأكبر:

سَرى لَيْلاً خَيالٌ مِنْ سُلَيْمى

                           فأَرَّقَني وأصْحابي هُجُودُ

وهي مفردة يعرف دلالتها دكتور حسن عباس صبحي الضليع بالعربية وبيئتها، كما يعرف ما يقابلها من صور في الإنجليزية. لكنه لم يذهب إلى ترجمتها ترجمة قاموسية مباشرة، ولم يقل ببساطة: night rain. وإنما ترك الاسم جانبا، وأمسك بقرينته الحية في المشهد: البرق ونزول المطر "بقبقة" أي الصوت الصادر عن انسكابه حتى الصباح. فهو لا يترجم «السارية» باعتبارها مفردة منفردة، وإنما يستدعي صورتها كاملة؛ فالسارية ليست مطرًا ليليًا فحسب، وإنما مطرٌ مصحوب ببرق ، وبذلك جاءت عبارة the lightning bubbling till  morning محاولة لاستحضار الحركة والصوت واستمرار المشهد، لا مجرد الإخبار عن نزول المطر.

وهنا تظهر براعة المترجم الضليع في اللغتين: أحيانا يكون أوفى للمعنى أن تتخلى عن الكلمة لتحتفظ بصورتها، وأن تستبدل الاسم بما يجاوره في المشهد، لأن الشعر لا يعيش في الكلمات منفردة، وإنما في العلاقات التي تنشأ بينها. لقد ترك صبحي «السارية» خلف ستار اللغة، لكنه أبقى المطر والبرق والليل والحركة حاضرة في عين القارئ الإنجليزي.وهكذا نرى أن المترجم الأدبي لا يترجم الكلمات منفردة، وإنما يترجم العلاقات الخفية بينها، ويترجم ما وراءها من إحساس وذاكرة ومفارقة وصورة.

وهذا هو الثوب الذي لا يجوز أن يكون فضفاضا: الثوب الفضفاض هو آفة بعض الترجمات الأدبية؛ إذ يكثر فيها الاستطراد والحشو، حتى يصبح المترجم كأنه يشرح القصيدة بدل أن يترجمها. قد يحتاج القارئ إلى هامش يفسر له إشارة تاريخية أو أسطورة أو اسما غريبا، ولكن القصيدة نفسها ينبغي أن تصل إليه قصيدة، لا تقريرا عنها.

فحين يقرأ القارئ ترجمة ناجحة لا ينبغي أن يشعر بأن أحدا يقف بينه وبين الشاعر ليقول له: كان الشاعر يقصد كذا، وكان يشعر بكذا. وإنما ينبغي أن يتركه المترجم في حضرة الشاعر نفسه.

وفي المقابل، هناك الثوب الضيق: ترجمة تلتزم الكلمات التزاما حرفيا إلى درجة تخنق الحركة الشعرية. فتضيع الموسيقى، وتتجمد الصورة، ويصبح النص الآخر صحيحا من ناحية القاموس، لكنه فقير من ناحية الشعر. ومن هنا يمكن القول إن الترجمة الأدبية الناجحة ليست نسخة طبق الأصل. إنها إعادة خلق  جديد لقصيدة.

 

ولا يمكن في هذا المقام تجاوز اسم الدكتور إدريس البنا الأديب والشاعر والمترجم حين نتحدث عن الترجمة الأدبية في السودان، ولاسيما الشعر الغنائي.  كان البنا ينظر إلى الشعر السوداني بوصفه مادة قادرة على عبور اللغة، لا بوصفه لهجة محلية مغلقة على أهلها. ولذلك اتجه إلى ترجمة الدوبيت والحقيبة والمناحة والمدائح، وحاول أن يحمل معها شيئا من موسيقاها وصورها وإيقاعها. وقد بدأ مشروعه في الترجمة بأغنية المساح «أنت بدر السما في صفاك».

ولإدريس البنا ميزة لا نجدها كثيرا في ترجمات الشعر: فبعض ترجماته لم تبق حبيسة الورق، وإنما خرجت من الصفحة إلى الحنجرة. ففي تسجيل تلفزيوني أدّى عاصم البنا، بالإنجليزية، أغنية «أقيس محاسنك بمن» لسيد عبد العزيز. وهنا تصبح الترجمة تجربة مسموعة؛ فالقصيدة لا تنتقل إلى لغة أخرى فحسب، وإنما تحاول أن تحتفظ في لغتها الجديدة بشيء من غنائها الأول. يقول سيد عبد العزيز:

أقيس محاسنك بمن

يا الدرة الماليك تمن

والله نور عيني ونور الزمن

ما شفنا في طول الزمن

سواك بدري في داخل كمن

 

ويبدأ إدريس البنا الترجمة إلى الإنجليزية:

Compare I thee, I guess to none

 

وهو استهلال يذكّر بسؤال شكسبير في السونيتة الثامنة عشرة:

 

Shall I compare thee to a summer’s day?

 

غير أن الفرق بين السؤالين ليس فرقا في اللغة وحدها، وإنما هو فرق في التجربة والمناخ والذاكرة أيضا. فشكسبير، وهو يخاطب محبوبته، يستطيع أن يجعل من يوم الصيف صورة للجمال والاعتدال، لأن الصورة في سياقها الثقافي والطبيعي تستدعي الدفء والصفاء والانعتاق من البرد. أما حين ننقل الصورة إلى بيئة أخرى، فإن كلمة «الصيف» قد تستدعي في وجدان القارئ شيئا مختلفا تماما: القيظ واللهيب والشمس القاسية.

ومن هنا يظهر أحد أعقد أسئلة الترجمة الأدبية: هل يترجم المترجم الصورة نفسها، أم يترجم أثرها؟ قد يرى مترجم أن «يوم الربيع» أو «نهار الربيع» أقرب إلى الأثر الجمالي الذي أراد الشاعر أن يحدثه، حتى لو لم تكن الكلمة هي نفسها التي كتبها الشاعر. المترجم هنا لا ينقل الطقس، وإنما ينقل ما أحدثته صورة الطقس في نفس الشاعر. ومن هذه الزاوية يصبح الفرق بين شكسبير وسيد عبد العزيز أكثر وضوحا.

شكسبير يضع المحبوبة في مواجهة يوم صيفي عابر، ثم ينتصر على فناء ذلك اليوم بجمال الشعر. أما سيد عبد العزيز فيدخل إلى الجمال من باب آخر: باب الدرة التي لا ثمن لها، والنور، والزمن. إنه لا يسأل: إلى أي يوم جميل أشبهك؟ وإنما يسأل: بمن أقيس محاسنك؟ ثم يجيب ضمنيًا بأن المقاييس نفسها تضيق عن بلوغها: «يا الدرة الماليك تمن»، «والله نور عيني ونور الزمن».فإذا كان الصيف عند شكسبير صورة للجمال، فإن اللؤلؤ والنور عند سيد عبد العزيز صورتان للجمال والندرة والخلود معا.

ولإدريس البنا أيضا نموذج آخر يكشف ملكته في التعامل مع ترجمة المديح، هو ترجمته لشعر الشيخ عبد الرحيم البرعي. يقول البرعي:

إبلنا يا معشرْ

مية وأربعطاشرْ

تجي حافلة في المحشرْ

لي رعاتا تستبشرْ

 

ويترجمها البنا:

Our camels, dear folks have been

One hundred and fourteen

Do seek on the Resurrection

Their shepherds very good Omen

 

وقد يبدو للقارئ أن البنا يتشبث في هذه الصياغة بشيء من جرس الأصل وقافيته، حتى حين يدفعه ذلك إلى تراكيب غير مألوفة في الإنجليزية المعاصرة؛ وكأن همه ألا تخرج القصيدة من اللغة الأولى إلا وهي تحمل شيئا من نبرتها الغنائية. فـ dear folks  محاولة لاستحضار النداء الشعبي في «يا معشر»، والنهايات المتقاربة في السطور محاولة للحفاظ على شيء من جرس الأصل.

أما الترجمة التي أنتجها الذكاء الاصطناعي فتأتي أكثر مباشرة:

“Our camels, oh people,

One hundred and fourteen,

They come in a herd to the gathering,

And their herders rejoice.”

 

ولا يصح القول إن الترجمة الآلية «خاطئة» بالمعنى البسيط للكلمة. فهي التقطت المعنى الظاهر: إبل، وعددها مئة وأربع عشرة، والمجيء إلى المحشر، وفرح الرعاة. لكن المشكلة أن المعنى الظاهر ليس كل شيء. وهنا لا تكفي معرفة معنى كلمة «إبل»؛ لأن الإبل في الصورة الشعرية ليست مجرد حيوانات. فالعدد (114)  يحيل إلى عدد سور القرآن الكريم. إن الشاعر يجعل سور القرآن كأنها قطيع من الإبل يملكه المؤمن ويرعاه في الدنيا، ثم تأتي هذه «الإبل» يوم القيامة حافلة بالخير، ويستبشر رعاتها، أي قارئو القرآن وحفظته والعاملون به. وبذلك تصبح الصورة كلها دعوة إلى ملازمة القرآن تلاوة وحفظا وتدبرا، وإلى تصور ما يترتب على صحبته من خير وثواب.

وهذه الخلفية الصوفية والشعبية والإيمانية لا تظهر في الترجمة الآلية. فالآلة رأت «الإبل» و«114» و«المحشر» و«الرعاة»، لكنها لم تمسك بالعلاقة الثقافية والرمزية التي تجعل الصورة تعمل شعريا وروحيا. وهنا تظهر حدود الترجمة الآلية. إنها تستطيع أن تنقل ما قيل، لكنها لا تبلغ دائما لماذا قيل بهذه الصورة.

 

وهنا يتضح الفرق بين المترجم الذي ينقل الكلام والمترجم الذي ينقل التجربة. الأول يستطيع أن يخبرنا أن الشاعر رأى جمالا، وأنه حزن، وأنه أحب، وأنه عاد فوجد المكان غريبا. لكنه يظل، في نهاية الأمر، راويا عن القصيدة. أما الثاني فإنه يجعلنا نرى ما رآه الشاعر، ونسمع ما سمعه، ونشعر بما ارتجف في داخله. وهذا هو الامتحان الحقيقي للترجمة الأدبية: هل أصبح القارئ في اللغة الأخرى شريكاً في التجربة، أم ظل مستمعا إلى مترجم يحكي له عنها؟ وهذا هو سر الترجمة الأدبية الجميلة: أن تكون خيانة صغيرة للكلمات من أجل وفاء أكبر للقصيدة. قد يتغير ترتيب الجملة، وقد تضاف تنهيدة، وقد تختار كلمة لا تقابل الأخرى في القاموس مقابلة حسابية، وقد يتغير الوزن، ولكن إذا خرج القارئ من اللغة الجديدة وهو يشعر بما أراد الشاعر أن يجعله يشعر به، فقد نجحت الترجمة في أهم امتحاناتها.

 

ولذلك فإن «الثوب» الذي تخيطه يد المترجم ليس نسخة من الثوب الأول. فالنسخة لا حياة فيها؛ إنما المطلوب ثوب آخر، من قماش آخر، يصلح لجسد القصيدة نفسها، ويحفظ لها هيئتها وهي تنتقل من لغة إلى لغة. وحين يحسن المترجم القص والخياطة، لا يشعر القارئ أن القصيدة غادرت وطنها، بل يشعر أنها وجدت في اللغة الجديدة وطنا مؤقًا، يكفي لأن تغني فيه بصوت آخر. ولذلك فإن الترجمة الأدبية لا تجعلنا نعرف ماذا قال الشاعر فحسب، بل تجعلنا نشعر بما شعر به.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...