أحمد عمران

 

غلب على شعر الشاعر المصري الكبير إبراهيم ناجي النزعة الروحية الصوفية، إذ امتزج في شعره الحب بالجمال، والوجد بالحرمان، والحنين بالتطلع إلى عالم يتجاوز المحسوس إلى ما وراءه. وفي ترجمة الدكتور حسن عباس صبحي لقصائد ناجي، تتجلى براعته النفاذة إلى أعماق التجربة العاطفية للشاعر، والكشف عن صلاتها بالروح والتصوف والجمال.

فما أنجزه الدكتور حسن عباس صبحي من ترجمة رصينة ومبدعة لقصائد إبراهيم ناجي المنتقاة في هذا المقال؛ يسعى إلى استحضار روح القصيدة وصورها وإيقاعها الوجداني في اللغة الإنجليزية.

ويبرهن شعر ناجي على المكانة الكبرى التي احتلها الحب في حياته؛ فقد كرس معظم شعره للحب، وكما تكشف قصائده، ظل ناجي وفيّا وصادقا لحبه، وإن كان قد تجرع مرارة الإحباط من ذلك الحب الذي ذاق من قبل حلاوته واستمتع بنشوته. وكان موطن الحب الأول لناجي أشبه بمحراب مقدس، اعتاد أن يؤدي فيه صلواته، وأن يتعبد للجمال ليلا ونهارا. وبعد أن أقام أعواما في المنصورة، عاد إلى موطن حبه الأول وأحلامه في القاهرة، لكنه لم يجد سوى معاملة الغريب. وبنبرة حزينة يروي ناجي هذه الحكاية في قصيدته الشهيرة « العودة»:

 

هذه الكعبة كنا طائفيها** والمصلين صباحاً ومساء
كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها** كيف بالله رجعنا غرباء؟

 

Ah: how many a time have we walked around this shrine,
And how many a time have we said our prayers there, both night and day?
How many a time have we knelt and worshipped Beauty there?
How does it happen that we return to it as a stranger?

 

ونشاركه إحساسه باليأس حين يكتشف أن محرابه العزيز قد تحول إلى أطلال صامتة، تقف في ظلمة الليل. وهنا يقدم لنا خياله صورة آسرة لقلب جريح، ولمحراب انقلب خرابا، ولشاعر يرزح تحت وطأة العذاب والإحباط:

 

دار أحلامي وحبي لقيتنا * في جمود مثلما تلقى الجديد

 

The abode of my dreams and love has received us coldly,
As if we were strangers.

نكرتنا وهي كانت إن رأتنا * يضحك النور إلينا من بعيد

 

It did not recognize us, whereas it used to see us of old
Light smiled from afar to us.

رفرف القلب بجنبي كالذبيح * وأنا أهتف يا قلب اتئد

My heart fretted in my side like one slain,
And I called upon it to have fortitude.

484920153_1201904965268697_2953197487098770575_n.jpg

 

فيجيبُ الدمعُ والماضي الجريح * لِمَ عُدنا لَيت أنّا لَم نعُد

Then tears and the wounded past replied:
Why did we return? It would have been better if we had not.

لِمَ عُدنا أوَ لَم نَطوِ الغَرَام * وفَرغنا مِن حنينٍ وألَم

Why did we return? Did we not end our love?
And did we not exhaust our yearning and suffering

ورَضينا بسكونٍ وسلام * وانتهينا لفراغٍ كالعَدَم

And have we not been satisfied with quiet and peace?
And have we not surrendered to an emptiness like oblivion?

 

وبغياب المحبوب، تتحول أيام الشاعر إلى صفرة الخريف، وتئن في سمعه كريح الصحراء.

أما الأبيات التالية، فعلى الرغم من أن صياغتها تأتي في صورة تقريرية حكيمة، فإنها لا تفسد التدفق العفوي للقصيدة؛ ذلك أن الشاعر كان صادقًا في تعبيره، وقادرًا على اختيار اللفظ الملائم الذي يحمل إحساسه دون تكلف:

 

يها الوكر إذَا طار الأليف * لا يَرَى الآخر معنى للسماء

O nest when one of the mates has flown,
The other will never see any meaning in happiness.

 

ويَرَى الأيام صفراً كالخَريف * نائحات كرياح الصَّحراء

He will see the days as yellow as autumn,
And hear he moaning like the wind of the desert.

ثم يرسم ناجي صورة الخراب:

والبلى أبصرتهُ رأي العيان * ويداه تنسجان العنكبوت

I have seen ruin with mine own eyes,
Weaving with its hands a cobweb of a spider.

صحت يا ويحك تبدو في مكان * كل شيء فيه حيٌّ لا يموت

I cried out: "Good Heavens, dare you appear
In a place where everything for ever lives?"

 

فالبيت، وإن كان قد أصبح خرابا في صورته المادية، ظل حيّاً في وجدان الشاعر؛ لأنه كان موطن محبوبته، والمكان الذي احتفظ بذاكرة الحب. فالحياة عند ناجي ليست في الجدران، وإنما فيما أودعته الروح فيها من ذكريات ومشاعر.

 

وفي النهاية وقف ناجي أمام محرابه، منشِدًا:

 

وطني أنتَ ولكني طريد  أبديُّ النفي في عالَم بؤسي
إذا عدت فللنجوى أعود
 ثم أمضي بعد ما أفرغ كأسي

You are indeed my home, though I am banished,
My fate is exile in a world of wretchedness.
If I return, it is commune,
Then I depart when I have emptied my cup.

 

لكن الحقيقة أن ناجي لم يستطع قط أن يفرغ كأس حبه الأول. وإذا كان ثمة رحيل، فلم يكن إلا رحيلًا مؤقتًا. فقد ظل حبه الأول منبعًا دائمًا للإلهام، حتى في أكثر لحظاته جفافًا وعقمًا؛ وبوفائه لذلك الحب الأول، ظل يهيم في الحياة كالمتشرد، باحثًا عن الحب.

ونعرف كذلك، من قصيدة أخرى لناجي عنوانها «مرت حياتي دون أمنية»، أن حياته كانت في مجملها حالة من السأم والضجر. فلما دخل الحب حياته، عاد إليه الأمل، وتحولت حياته العقيمة إلى حياة مفعمة بالبهجة. وكان يخاطب محبوبته، فيما يشبه طائراً حائراً باكياً استعاد فجأة قدرته على الغناء، فراح يغرّد:

 

مرت حياتي دون أمنيَة *  وتقلَّبت مَللا على ملل

حتى لقيتك ذات أمسية * فعرفت فيك مطالع الأمل

ما أن ضربت الصخر فانبجسا * وجرى الغداة زلاله العذب

My life passed without any hope,
Passed from boredom to boredom,
Till I met you one evening.
Then, in you I saw the harbingers of hope.
No sooner did you strike the rock
Then out flowed its sweet waters.

إني لطيرٌ حائر باكِ  * قد كانت الأحزان فلسفتي

ذابت حناناً يوم لقياك  * وجرت أغاريداً على شفتي

I was puzzled weeping bird;
Sorrows were my philosophy;
It melted into compassion when I met you,
And streamed into songs from my lips.

 

وفي قصيدة «نهاية القصة» نقرأ عن حب خبا وهجه وانطفأ بريقه. وهناك نلتقي بصور آسرة

تصور العاشق في حالة من العذاب حين تغيب عنه محبوبته:

 

أَرْنُو إِلَى الصَّهْبَاءِ غَامَ شُعَاعُهَا

وَامْتَدَّ نَحْوَ النَّفْسِ ظِلُّ جَنَابِهَا

وَكَأَنَّمَا رُوحِي هُنَاكَ حَبِيسَةٌ

تَطْفُو وَتَرْسُبُ فِي خُطُوطِ حَبَابِهَا

I kept gazing at the wine whose glow was fading away,
Then towards my soul to shades stretched.
My soul amidst them was like a captive,
Sometimes floating, then sinking along the lines of bubbles.

ثم رأى الشاعر:

وَكَأَنَّ رَاهِبَةً هُنَاكَ سَجِينَةٌ

مَغْمُورَةٌ بِدُمُوعِهَا وَعَذَابِهَا

ظَلَّتْ تُقِيمُ عَلَى الشُّمُوعِ صَلَاتَهَا

حَتَّى تَلَاشَى النُّورُ فِي مِحْرَابِهَا

It was as if a nun was there imprisoned,
Drowned in her tears and suffering,
She kept saying her prayers over the candles,
Till light faded away from her cell.

 

وبفضل هذه الرؤية الرومانسية المرهفة، استطاع ناجي أن يرى شفتي محبوبته في خضم الخيال والذكرى. وفي دفقة من التوله والعشق، أخذ يخاطبها:

 

شَفَتَاكِ فِي لُجِّ الْخَوَاطِرِ لَاحَتَا

كَالشَّاطِئَيْنِ وَرَاءَ لُجٍّ ثَائِرٍ

لَهُمَا إِذَا الْتَقَتَا عَلَى أُغْرُودَةٍ

خَرْسَاءَ فِي ظِلِّ الْجَمَالِ السَّاحِرِ

إِسْعَادُ مُلْهُوفٍ وَنَجْدَةُ غَارِقٍ

وَعِنَاقُ أَحْبَابٍ ُوعودُ مسَافِرٍ

Your lips in the depth of memories appeared,
Like two banks between an angry sea.
If they ever meet in a silent song in the shade of charming beauty,
There would be in them happiness for the restless and salvation for the drowning,
And the embrace of the lovers and the return of a traveller.

 

ويبلغ الحب الرومانسي المثالي عند ناجي ذروته حين يبوح لمحبوبته قائلا:

آمَنْتُ بِالْحُبِّ الْقَوِيِّ وَحَتْمِهِ

مَا مِنْ هَوَايَ وَلَا هَوَاكِ مَنَاصٌ

إِنْ كَانَ دَاءً فَالسُّقَامُ دَوَاؤُهُ

أَوْ كَانَ ذَنْبًا فَالْمَتَابُ قِصَاصٌ!

I believe in powerful love and in its destiny;
No escape is there from your love and mine,
If it is a disease, disease itself is its cure,
Or if sin, repenting is its requital.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...