أحمد عمران

ترجمة الشعر ليست نقلا للكلمات من لغة إلى أخرى- كما أشرنا إلى ذلك في الحلقة الأولى - بل هي إعادة خلقٍ للنص في لغة جديدة، ولا ينجح فيها إلا من جمع بين حسّ الشاعر، وبصيرة الناقد، وأمانة المترجم. وهذه الصفات كلها تجلت في ترجمات الدكتور حسن عباس صبحي، وكما ظهر ذلك جليا في ترجمته للشاعرة نازك الملائكة، هاهو دكتور صبحي يعزف على أوتار أنشودة المطر لبدر شاكر السياب.

ففي دراسته الرصينة في الأدب المقارن، يقف الدكتور حسن عباس صبحي عند أثر الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت، ولا سيما قصيدته الخالدة " الأرض اليباب" The Waste Land    في تجربة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب، ويضيف أن السياب لم يكن مجرد مقلّد لتجربة إليوت، وإنما استوعبها، ثم أعاد تشكيلها بما يوافق وجدان العراق وتاريخه وآلامه وآماله، فخرجت إلى الوجود رائعته الخالدة أنشودة المطر (The Song of the Rain)

ومن منفاه في الكويت، كان السياب يكتب وقلبه معلق بسماء العراق، ينتظر أول قطرة مطر تهطل على أرضه. هناك تحوّل المطر في رؤيته إلى أكثر من ظاهرة طبيعية؛ أصبح رمزا للقوة الكامنة التي توقظ الوطن من سباته العميق، وتبعث الحياة في كل عناصره، إيذاناً بولادة ربيع جديد يهب البؤساء بارقة أمل، ويعيد للأطفال بهجة الغناء بين عرائش الكروم.

ومن ذلك الشوق الممزوج بالألم، ومن ذلك الأمل الذي لا ينطفئ، بدأ السياب قصيدته مخاطبا محبوبته، وكأنها صورة أخرى للوطن الذي يسكن روحه، ويطل الدكتور حسن عباس صبحي مترجما مبدعا، يسير إلى جوار السياب بيتاً بيتاً، وصورة صورة، وإيقاعا بإيقاع، حتى يخيل إلى القارئ أنه لا يترجم القصيدة، بل يعايش لحظة ميلادها من جديد بلغة أخرى:

عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،

أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ .

عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ

وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ

يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ

كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ ...

وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ

كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،

دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،

Your eyes are two groves of palm-trees

During the hour of dawn,

Or two balconies from which

The moon has started to depart,

When you smile your eyes like the vines bloom

And lights dance like moons in a river

Gently shaken by the oar during early morn,

As if in their depths stars were throbbing,

And drowning in a fog of transparent sadness,

Like the sea over which evening has stretched its two hands,

In it there is the warmth of winter and the trembling of autumn.

 

وبعد هذا الاستهلال الهادئ، لا يلبث السياب أن يفتح أفقا مختلفا، إذ يصبح المطر نداءً للحياة والبعث، لا رمزا للقحط والجدب كما هو الحال في كثير من صور إليوت. ثم يواصل الشاعر إنشاده   ويجاريه دكتور صبحي بعزف أوتار الترجمة:

كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ

وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر ...

وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر

أُنْشُودَةُ المَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر...
مَطَر...

 

As if the blows of the clouds were drinking the clouds,

And drop by drop melted into rain,

And with laughter the children roared in the bowers of vines,

And the song of the rain tickled the silence of the birds on the trees,

Rain, rain, rain

 

ومن هنا تبدأ القصيدة في الانتقال من إيقاعها الهادئ الرقيق إلى إيقاعات أكثر حدة وتوترا. ومع هذا التحول ترتفع نبرة الشاعر، ويرتفع معها صوت المترجم، فينقل للقارئ الإنجليزي ليس الكلمات وحدها، بل نبضها الداخلي، وحركتها الموسيقية، واستشرافها للمستقبل.

وكان الدكتور حسن عباس صبحي شديد العناية بهذه المسألة في محاضراته، فكثيرا ما كان يحدثنا عن      slow rhythm وquick rhythm ،  وكيف أن الإيقاع في الشعر ليس مجرد وزن أو موسيقى لفظية، بل هو حركة نفسية وفكرية، تتباطأ حين يهمس الشاعر، وتتسارع حين يتوتر الشعور أو يشتد الانفعال. وكان يضرب لذلك أمثلة من شعر البادية، ويشير إلى حداء الإبل في البوادي، وكيف يتبدل الإيقاع تبعا لسرعة المسير (كربتْ..كربتْ.. كربتْ) ، ليقرب إلى أذهاننا العلاقة الوثيقة بين الموسيقى الداخلية للنص والمعنى الذي تحمله الألفاظ.

ثم تبلغ القصيدة ذروة توترها، حيث يمتزج صوت الرعد بصوت الجوع، ويصبح المطر وعدا بالخلاص، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن المأساة الكامنة في أرض العراق، فيقول السياب:

أكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،

حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ

لم تترك الرياحُ من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تَئِنُّ ، والمهاجرين

يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع ،

وَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :

" مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وفي العِرَاقِ جُوعْ

وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ

لتشبعَ الغِرْبَان والجرا

وتطحن الشّوان والحَجَر

رِحَىً تَدُورُ في الحقول حولها بَشَرْ

صورة شخصية رسمية بالأبيض والأسود لرجل في منتصف العمر يرتدي بدلة وربطة عنق مخططة، وينظر مباشرة إلى الكاميرا بخلفية بسيطة.


مَطَر ...

مَطَر ...
مَطَر ..

وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ

ثُمَّ اعْتَلَلْنَا خَوْفَ أَنْ نُلامَ بِالمَطَر ...

مَطَر ...
مَطَر ...

وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء

تَغِيمُ في الشِّتَاء

وَيَهْطُل المَطَر ،

وَكُلَّ عَامٍ حِينَ يُعْشُب الثَّرَى نَجُوعْ

مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وفي العِرَاقِ جُوعْ

وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ

لتشبعَ الغِرْبَان والجرادوتطحن الشّوان والحَجَر

رِحَىً تَدُورُ في الحقول حولها بَشَرْ

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ

ثُمَّ اعْتَلَلْنَا خَوْفَ أَنْ نُلامَ بِالمَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

ومُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء

تَغِيمُ في الشِّتَاء

وَيَهْطُل المَطَر ،

وَكُلَّ عَامٍ حِينَ يُعْشُب الثَّرَى نَجُوعْ

مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

 

I almost hear Iraq hoarding thunders,

Storing lightning in the plains and in the mountains,

Once the men unseal it

Never will the winds leave behind

Any trace of Thamud in the valley,

I almost hear the villages moaning, and the emigrants

Fighting with oars and the sails

Against the storms of the gulf and the thunders, singing:

Rain……

Rain……..

Rain………..

And in Iraq there is hunger,

While in it the season of the harvest scatters the grains

To satisfy the hunger of the crows and locusts,

And millstones turning in the fields, with human beings around them,

Rain……..

Rain……..

Rain……….

O how many tears we have shed during the night of parting,

Then, in order not to be blamed , we made rain the excuse,

Rain…….

Rain….

Rain……..

And since we were young the sky used

To cloud over during winter,

And rain fell,

And every year we get hungry when the earth became grassy,

Never a year has passed without hunger in Iraq,

Rain…….

Rain……

 

وفي ترجمته لأنشودة المطر  –كما في سائر ترجماته - تتجلى براعة الدكتور حسن عباس صبحي في أبهى صورها؛ فهي ترجمة لا تقف عند حدود نقل المعاني، وإنما تنقل نبض القصيدة وحركتها وإيقاعها، وتعيد تشكيل صورها الشعرية بلغة إنجليزية رصينة، حتى يشعر القارئ أنه يعيش التجربة نفسها التي أرادها بدر شاكر السياب. لقد استطاع أن ينقل دفء الصورة، وشفافية الرمز، وتصاعد الإيقاع، وتحولات النبرة من الهمس إلى الصرخة، في أداء يجمع بين الدقة والجمال، وبين الأمانة والإبداع.

ومن يتمعن "أنشودة المطر" يجد فيها ترجمةً حيّةً نابضة، لا تُفقد القصيدة روحها، ولا تُغادر فضاءها الشعري، فالدكتور حسن عباس صبحي من أولئك المترجمين النادرين الذين يدركون أن الشعر لا يُترجم بالكلمات وحدها، بل بالإحساس والذائقة والثقافة الواسعة. ولذلك بقيت ترجماته نماذج مضيئة في الترجمة الأدبية، تشهد على رصانة علمه، ورهافة حسه، واقتداره على أن يجعل القارئ الإنجليزي يرى الصور نفسها، ويسمع الإيقاع نفسه، ويشارك الشاعر وجدانه، وكأن القصيدة كُتبت بلغتها الثانية منذ البداية.

يتبع..

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...