أحمد عمران
في لمسة وفاء للأديب المرهف دكتور حسن عباس صبحي، أنشأ تلاميذه بشعبة اللغة الإنجليزية بجامعة أمدرمان الإسلامية دفعة 1977- 1981م مجموعة واتساب حملت اسم "طائر الليل" في محاولة لاستعادة أثره العلمي والأدبي والإنساني؛ نتذاكر فيها ما قدمه لنا من علم، ونستعيد بعض محاضراته وترجماته، ونتجاذب أطراف الحديث حول عطائه ومواقفه وذكرياتنا معه، حتى تظل سيرته حاضرة في وجدان تلاميذه، وكما هو معلوم فإن " طائر الليل" هو ديوان شعر الراحل المقيم دكتور حسن عباس صبحي، يقول في مطلع قصيدة طائر الليل، التي حمل الديوان اسمها:
يا طائرَ الليلِ
وَلَّى من الليل عمرٌ طويلْ
وما زلتَ أنت
تصيحُ تصيحْ
بصوتٍ جريحْ
فيطرق سمع الوجودِ الفسيحْ
وينهال يا طائري في حَزَنْ
فتكنزه العتمةُ الحالكهْ
ويثخن فينا جراح الشجنْ
فنذكر مُرَّ الأسى والنواحْ
إلى أن تهلَّ عيون الصباحْ
وتنشر شمس النهارِ الضياءْ..
ودكتور حسن عباس صبحي غني عن التعريف، فهو بحر من بحور اللغة الإنجليزية وآدابها، متخصص في الأدب المقارن Comparative Literature والترجمة، نال درجة الدكتوراه من جامعة أدنبرة عام 1968م في الأدب المقارن بأطروحة بعنوان" تأثير الكتّاب الإنجليز المحدثين في الشعراء العرب من عام 1939 إلى عام 1960م، وإلى جانب نشاطه الأكاديمي، كان للدكتور حسن عباس صبحي حضور بارز في الإذاعة السودانية، حيث عُرف من خلال ميكروفون إذاعة «هنا أم درمان» بصوته المميز وأدائه الهادئ الرصين وثقافته الواسعة. وقدم عددًا من البرامج التي رسّخت اسمه في ذاكرة المستمع السوداني، من أبرزها "موضوع يهمك" و"أديب في دائرة الضوء"، كما كان برنامجه "الليل" ضمن برنامج اليوم المفتوح من أكثر برامجه حضورا وتأثيرا، لما امتاز به من عمق في الطرح وجمال في الأداء. وقد مهدت هذه التجربة الإعلامية لانتقاله إلى القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، حيث اتسعت خبرته الإعلامية والثقافية قبل أن يتفرغ للعمل الجامعي والبحث العلمي، ثم عاد للسودان ليتولى رئاسة قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة أمدرمان الإسلامية وأستاذا للأدب المقارن والترجمة في عدد من الجامعات السودانية. ولا أريد أن أسهب كثيرا في سيرته الذاتية فقد بذلت ابنته الأديبة سلمى صبحي جهدا كبيرا في توثيقها ويمكن الرجوع إلى صفحة الدكتور حسن عباس صبحي للاستزادة، ولكن نهدف في هذه الإتكاءة إلى تسليط الضوء على أعماله الأدبية وترجماته، وما علق بذاكرة تلاميذه من مواقف وحكايات وفنون الترجمة. فقد كان وافر الإلمام بالآداب العربية و الإنجليزية قديمها وحديثها. وقد ذكر الأديب الروائى الطيب صالح في معرض حديثه عن مناقب د. صبحى فى إحدى لقاءاته الإعلامية: كنا "نَتَدّرْق" بالدكتور صبحى عند نقاشاتنا الفكرية مع زملائنا الانجليز بالإذاعة. وما أبلغ كلمة "نتدرّق" في وصف مكانة الدكتور صبحي! فهي في دلالتها السودانية البليغة، توحي بأنهم كانوا يتخذونه درعاً وسنداً حين يحتدم النقاش، ويستعينون بعلمه وثقافته وحجته في مواجهة محاوريهم من الإنجليز. وقد أبدع الزميل أحمد مطر - وهو من المعجبين بالأديب الطيب صالح والدكتور حسن عباس صبحي معاً - حيث نقل هذا المعنى في ترجمته بقوله:
“We used to take Dr. Subhi as a shield when engaging in intellectual discussions with our English colleagues at the BBC.”

ولعل أجمل ما في العبارة أنها لا تأتي في مقام المديح المباشر، وإنما تكشف، بكلمة واحدة، عن مدى الثقة التي كان الطيب صالح وزملاؤه يضعونها في علم الدكتور صبحي وثقافته وحضوره الفكري؛ فأن يكون الرجل "درعاً" في نقاش فكري مع مثقفين إنجليز، فذلك من أبلغ ما يمكن أن يقال في وصف تميزه وتمكنه وسعة اطلاعه.
كان الدكتور حسن عباس صبحي يحرص في محاضراته على أن يرسخ في أذهان طلابه مبدأً أصيلاً من مبادئ الترجمة الأدبية، وهو أن المترجم لا يكتفي بفهم الألفاظ ونقل المعاني، بل ينبغي له أن يتقمص شخصية الكاتب أو المتحدث (to incarnate the character of the writer/speaker) حتى يغدو النص المترجم صدىً حيّا لنبض صاحبه، لا مجرد مقابلات لغوية جامدة.
ولم يكن هذا المبدأ درساً نظرياً فحسب، بل كان منهجاً عملياً يطبقه في ترجماته. وسوف نرى ذك من خلال استعراضنا لنماذج من ترجماته في هذه السلسلة من الإتكاءة في ظلاله، فعلى سبيل المثال استطاع في ترجمته لقصيدة نازك الملائكة "جامعة الظلال" (Collector of Shades)، أن ينقل إلى اللغة الإنجليزية ذلك الإحساس العميق بالعذاب الرومانسي Romantic agony الذي يفيض من أبيات الشاعرة.
لقد تركت القيود الاجتماعية التي أحاطت بحياة نازك الملائكة أثرا بالغاً في تجربتها الشعرية، فتجلّى في شعورها الحاد بالاغتراب، وفي ذلك الألم الذي يعتصر الإنسان حين تُجهض أحلامه في تحقيق ذاته أو تتبدد. ومن رحم هذا الإحباط يولد إحساس موحش بالفناء والعدم؛ فتغدو الآمال أوهاما، وتتحول الحياة إلى أرضٍ قاحلة، ولا يعود الإنسان فيها إلا جامعاً للظلال.
ولعل هذه الخلفية النفسية تفسر لنا سر التماهي الذي نجده بين النص الأصلي وترجمة الدكتور حسن عباس صبحي؛ فالمترجم هنا لم ينقل الكلمات فحسب، بل نقل أنين الشاعرة، واستطاع أن يحافظ على النبرة الوجودية الكئيبة التي تسري في أوصال القصيدة. حيث تقول نازك الملائكة:
أخيرا لمست الحياة
وأدركت ما هي، أي فراغ ثقيل
أخيرا تبينت سرّ الفقاقيع واخيبتاه
وأدركت أني أضعت زماناً طويل
ألمُ الظلال وأخبط في عتمة المستحيل
ألمُ الظلال ولا شيء غير الظلال
At last I touched life,
And realized what it is, what a heavy emptiness it is.
At last I discovered the secret of its bubbles, O what a disappointment.
I realized that I wasted a long time
Collecting shades, walking haphazardly in the thick darkness of the unknown,
Colleting shades and nothing but shades.
وفي صرخة يائسة تمضي نازك الملائكة قائلة:
أهذا إذن ما لقبوه الحياة
خطوط نظل نخططها فوق وجه المياه؟
وأصداء أغنية فظة لا تمسّ الشفاه؟
وهذا إذن هو سر الوجود؟
ليال ممزقة لا تعود؟
وآثار أقدامنا في طريق الزمان الأصم
تمر علينا يد العاصفة
فتمسحها دونما عاطفة
وتسلمها للعدم
ونحن ضحايا هنا
تجوع وتعطش أرواحنا الحائرة
ونحسب أن المنى
ستملأ يوما مشاعرنا العاصرة
ونجهل أنا ندور
مع الوهم في حلقات
نجزِّئ أيامنا الآفلات
إلى ذكريات
وننتظر الغد خلف العصور
ونجهل أن القبور
تمدّ إلينا بأذرعها الباردة
وَنَجْهَلُ أَنَّ السِّتَائِرَ تُخْفِي يَدَاً مَارِدَة
Is this then what they called life?
Mere lines which we continue drawing on the surface of the water,
Echoes of a coarse song that touches her lips,
And this is then the secret of existence?
Torn-out nights which never return,
And our footprints on the track of dumb time
Over which the hand of the storm passes,
Wiping them without emotion,
Consigning them to oblivion,
And we are victims here,
Our puzzled souls getting hungry and thirsty,
And we think that hope
Will one day enrich our suppressed feelings?
We forget that we go around
With delusion in circles,
Disserting our declining days
Into memories
And keep waiting tomorrow behind ages,
And forget that graves
Are stretching their cold arms to us,
And forget that curtains are hiding a monstrous hand.
يتبع...




التعليقات (0)
جاري التحميل...