أوان البوح

أحمد عمران

تظل الشهادة السودانية واحدة من تلك الأشياء التي تجاوزت كونها امتحاناً يجلس إليه الطلاب، أو ورقة يحملها الناجحون في ملفاتهم، لتصبح جزءاً من ذاكرة الأمة السودانية، وعنواناً لهويتها، واسماً له هيبته، وذاكرة لأجيال، وباباً عبر منه ملايين السودانيين إلى الجامعات ومواقع العمل والحياة. ولهذا لم يكن خبر اكتمال أعمال الشهادة الثانوية للعام 2026 خبراً تعليمياً عادياً، ولا مجرد محطة تنتهي بانتهاء أعمال الكنترول والتصحيح والرصد.

في بلد أنهكته الحرب، وتوزع أهله بين المنافي ومراكز النزوح، واضطربت فيه المدارس والجامعات ومؤسسات الدولة، كان مجرد وصول امتحانات الشهادة السودانية إلى نهاياتها فعلاً يستحق أن نتوقف عنده. ليس لأن الامتحان انتهى فحسب، وإنما لأن شيئاً من السودان ظل واقفاً في مكانه، محافظاً على ملامحه، ومتمسكاً بأحد أهم رموزه الوطنية.

وقد وصف وزير التعليم والتربية الوطنية د. التهامي الزين حجر، في ختام أعمال الشهادة الثانوية، الامتحانات بأنها "ملحمة وطنية" شاركت في إنجازها جهات رسمية وشعبية، وقادها المعلمون بجدارة. وأشار إلى أن رحلة الشهادة امتدت من الدراسة والمراقبة والتصحيح والكنترول وصولاً إلى الرصد، مثمناً جهود المعلمين وكل من أسهم في إنجاز هذا العمل القومي.

ولعل وصف "الملحمة الوطنية" هنا ليس مبالغة؛ فمن يعرف أحوال التعليم في السودان اليوم يدرك أن إنجاز امتحان قومي بهذا الحجم، في ظل هذه الظروف، ليس أمراً سهلاً. فكل مرحلة من مراحل الشهادة كانت تحتاج إلى إرادة وصبر وتنظيم، وكانت تحتاج قبل ذلك كله إلى أناس يؤمنون بأن التعليم لا ينبغي أن يكون أول ضحايا الحرب.

وفي قلب هذه الملحمة يقف المعلم. فوراء كل ورقة امتحان قصة معلم؛ معلم راتبه لا يكاد يفي باحتياجات الحياة، ومع ذلك يجلس للمراقبة، ومصحح يواجه أعباء المعيشة وظروف السفر، ومع ذلك يجلس أمام أوراق أبنائنا، وعامل في الكنترول يحمل مسؤولية درجات ونتائج ومستقبل آلاف الطلاب، فيؤدي واجبه وكأن البلاد تعيش أفضل أيامها.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق البوح: كيف بقي التعليم واقفاً، بينما يعاني المعلم نفسه من الانحناء تحت ثقل الحياة؟ المعلم السوداني لا يحتاج منا إلى مزيد من عبارات الإشادة بقدر ما يحتاج إلى راتب يحفظ كرامته، وبيئة عمل تليق برسالته، وتقدير حقيقي لا ينتهي بانتهاء موسم الامتحانات. فالحديث عن إصلاح التعليم يبدأ، بالضرورة، من المعلم؛ لأن المدرسة مهما تطورت مناهجها، ومهما تحسنت أدواتها، تظل في حاجة إلى الإنسان الذي يمنحها روحها.

ولذلك، فإن الاحتفاء بالشهادة السودانية لا ينفصل عن الاحتفاء بمعلمها. فإذا كانت هذه الشهادة قد احتفظت بمكانتها كل هذه العقود، فإن وراء هذه المكانة معلماً سودانياً ظل يؤدي دوره في ظروف لم تكن دائماً عادلة معه، وظل يحمل رسالته حتى في الأوقات التي كان فيها حملها أثقل من قدرته على الاحتمال.

ومن هنا نصل إلى السؤال الأهم: ما الذي جعل الشهادة السودانية تحتفظ بكل هذه المكانة؟

الإجابة لا تكمن في الورقة نفسها، ولا في الاسم المطبوع عليها، وإنما في تاريخ طويل من العمل المؤسسي والتربوي. فالشهادة السودانية لم تُصنع في عام أو عامين، وإنما تشكلت مكانتها عبر عقود من الامتحانات والمعايير والإجراءات، حتى أصبح اسمها معروفاً داخل السودان وخارجه.إن قيمتها الحقيقية جاءت من منظومة متكاملة: منهج، ومعلم، وامتحان موحد، وتصحيح، وكنترول، ورصد، وتوثيق، ثم اعتراف أكاديمي راكمته السنوات.  ولذلك فإن الحديث عن الشهادة السودانية هو في الحقيقة حديث عن ثقة؛ وثقة كهذه لا تُمنح بقرار، ولا تُصنع بطباعة الأوراق، وإنما تُبنى جيلاً بعد جيل. ولعل هذه الحقيقة تحديداً هي ما ينبغي أن نتذكره ونحن نسمع بين حين وآخر عن شهادات تحمل أسماء قريبة أو موازية في ظل شبح الانقسام الذي فرضته الحرب. لا أريد أن أدخل هنا في متاهة السياسة، ولا أن ينجرف الحديث نحو ساحة مناكفة؛ فالقضية، في تقديري، أعمق من ذلك بكثير.

أقول ببساطة: الشهادة السودانية ليست اسماً يمكن استعارته.

فالاسم قد يكون متاحاً للجميع، أما المكانة فلا.

يمكن أن تنظم امتحاناً، ويمكن أن تطبع شهادة، ويمكن أن تضع عليها ما تشاء من المسميات؛ لكنك لا تستطيع أن تستنسخ في ليلة واحدة تاريخاً تراكم عبر أجيال، وثقة صنعتها مؤسسات ومعلمون وطلاب وجامعات وأسر ومجتمع بأكمله.

الشهادة السودانية، بهذا المعنى، فخر الصناعة الوطنية؛ صناعة لم تصنعها مطابع، وإنما صنعتها تجربة تعليمية طويلة، وأجيال من المعلمين والطلاب، ونظام امتحانات ظل يؤدي دوره في ظروف مختلفة، ويحمل معه اسماً أصبح جزءاً من صورة السودان التعليمية.

ومن أراد أن يقدم شهادة تضاهيها، فليقدم أولاً منظومة تضاهيها. ومن أراد أن يحمل اسمها، فليحمل مسؤوليتها. ومن أراد مكانتها، فليأتِ بالمعايير التي صنعت تلك المكانة.

لكن الدفاع عن الشهادة السودانية لا يعني أن نضعها في متحف ونكتفي بالفخر بتاريخها. فالمؤسسات التي نحبها هي المؤسسات التي نعمل على تطويرها، لا التي نكتفي بترديد أمجادها.

الشهادة التي نفخر بها اليوم يجب أن تكون أكثر قدرة على مواكبة المستقبل، والتعليم الذي أنجب أجيالاً من السودانيين يجب أن يستعيد عافيته، ومدارسه يجب أن تعود، ومعلموه يجب أن يستردوا مكانتهم المادية والمعنوية، وطلابه يجب أن يجدوا تعليماً يليق بأحلامهم. وبقدر ما نحافظ على الشهادة، علينا أن نحافظ على الأسباب التي صنعتها.

وهذا يقودنا مرة أخرى إلى ما أنجزناه الآن.

لقد استطاعت الشهادة السودانية أن تعبر عاماً آخر من أصعب أعوام السودان. بدأت رحلتها وسط الحرب، وتنقلت أعمالها، وتوزعت جهودها، ثم عادت أعمال الكنترول والتصحيح إلى الخرطوم، وفق ما أعلنته وزارة التعليم، لتصل في النهاية إلى مرحلة الرصد تمهيداً لإعلان النتيجة. وربما يكون أجمل ما في المشهد كله أن الذين حملوا هذا العبء لم يكونوا جنوداً في معركة عسكرية، وإنما كانوا معلمين. معلمون يقولون لنا، من غير خطب طويلة، إن السودان الذي نعرفه لم ينتهِ؛ وإن المدرسة لم تمت؛ وإن التعليم لم يسقط؛ وإن هذه البلاد، مهما طال بها الليل، ما زالت قادرة على أن تكتب شهادة لأبنائها.

لهذا، وأنا أرى ختام أعمال الشهادة السودانية، لا أفكر فقط في النتيجة التي سيترقبها الطلاب وأسرهم، وإنما أفكر في الشهادة نفسها، وفي الأبواب التي فتحتها لأجيال من السودانيين. كم من طالب فتحت له الشهادة السودانية أبواب الجامعات، ومكنته من الوصول إلى الكلية التي حلم بها، وبدأ بها أولى خطواته نحو مستقبله العلمي والمهني؟ وكم من طالب حملها معه إلى خارج السودان، فكانت مفتاحاً للقبول في جامعة، أو طريقاً إلى بعثة، أو وثيقة يتقدم بها إلى فرصة عمل، حاملاً اسم بلاده مرفوع الرأس؟ وكم من سوداني وقف أمام جامعة أو مؤسسة أو جهة عمل في بلد آخر، وقدم شهادته قائلاً: هذه هي الشهادة السودانية؟ وكم من نظَر في تلك الشهادة، فعرف قيمتها، وقال لصاحبها: أنت حاصل على الشهادة السودانية؟ مرحباً بك. تلك ليست مجرد ورقة تثبت نجاح طالب؛ إنها شهادة على مستوى تعليمي، واسم اكتسب مكانته عبر السنين، وثقة حملها السودانيون معهم إلى حيث ذهبوا. ولهذا لا يجوز أن ننظر إليها كورقة امتحان وحسب. إنها جزء من سيرة السودان، ومن واجبنا أن نحفظ لهذه السيرة مكانتها، وأن نحفظ للمعلم الذي يصنعها حقه، وللطالب الذي يحملها مستقبله، وللمؤسسة التي تديرها استقلالها ونزاهتها.

وتحية للطالب الذي جلس للامتحان في وطن مثقل بالجراح.

وتحية لكل من عمل في المراقبة والتصحيح والكنترول والرصد.

وتحية للشهادة السودانية التي أثبتت، مرة أخرى، أن بعض الأشياء في هذا البلد تستطيع أن تنجو من الحرب.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذا البوح أن الشهادة السودانية ليست مجرد ورقة تثبت أن طالباً نجح؛ إنها واحدة من العلامات التي ما زال السودان يكتب بها اسمه في العالم.

قد تتغير المناهج، وقد تتغير الأنظمة، وقد تتغير الحكومات، لكن الشهادة السودانية ستظل ما بقيت معاييرها ونزاهتها وسمعتها. فهي ليست مجرد شهادة تقول إن طالباً نجح؛ إنها شهادة تقول إن السودان، رغم كل ما أصابه، ما زال بخير.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...