أحمد عمران

 

تغنى الشعراء بجمال العواصم والمدن، ووجدت الخرطوم حظها من ذلك برونقها الآسر، ومقرن النيلين وحياتها الصاخبة بالحياة، فنصغي مثلا لسيد خليفة يتغنى برائعة صلاح عبد الصبور: "..ولا هذي ولا تلك.. ولا الدنيا بما فيها تساوي رقصة الخرطوم يوم النصر يا سمرا"، وغيرها من الأغنيات والألحان العذبة التي نظمها الشعراء مثل خليل فرح وغيره عن الخرطوم وأم درمان، وعبيد عبد الرحمن وسرور: "طال هجري يا أم أمان ببعادي حكم الزمان"، و"بحري سر الهوى". العاصمة المثلثة التي ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية، تستعاد دائما بمزيج من المحبة والإعجاب والتعاطف.

ولكن على النقيض من ذلك، رأى بعض الشعراء الجانب الآخر للمدن. وكنت أقرأ بالأمس قصيدة الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي "الليل والمدينة والسل"، فإذا بي، ودون أن أقصد، شعرت كأن الشاعر يتحدث عن الخرطوم. كأنني أرى في قصيدته مدينة كانت تضج بالحياة، ثم انطفأت أنوارها فجأة، فغدت بين عشية وضحاها مدينة أخرى؛ موحشة، خالية إلا من ظلال عابرة، وخطى خائفة، وأبواب مغلقة، وبيوت هجرها أهلها تحت وطأة الحرب.

لم يكن البياتي بالطبع يتحدث عن الخرطوم، ولم تكن الخرطوم حاضرة في قصيدته، لكن بعض الصور الشعرية كانت قريبة على نحو مؤلم من الخرطوم التي نراها اليوم، بعد أن غشيتها الحرب المدمرة كأنها إعصار اقتلع من شوارعها ملامحها، ومن بيوتها سكانها، ومن مقاهيها روادها، ومن أغانيها الفرح. ولعل هذا ما جعلني أتوقف عند قوله:

في ليالي الموت والخلق،

وفي الأعماق أعماق المدينة

لم تزل كالهرة السوداء،

كالأم الحزينة

تلد الأحياء في صمت

وأعماق المدينة

تبصق الموتى على الأرصفة الغُبر السخينة

 

ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أفكر كثيرا في القصيدة بقدر ما صرت أفكر في الخرطوم نفسها؛ في هذه المدينة التي عرفناها حية وصاخبة، ثم وجدناها تحت وطأة الحرب مدينة أخرى.

 

فأي ليل هذا الذي حل بالخرطوم؟ أهي تلك العاصمة التي كان أهلها يتغنون بها ليلا، ويصفون ما يتلألأ من ثياب وغيرها بعبارة "الخرطوم بالليل"، ويجدون في أضوائها شيئا من الأنس والجمال؟ بعد أن كان الليل موعدا للحياة، أما الآن فقد صار موعدا للخوف.

حين تهبط العتمة، تصبح الشوارع أكثر وحشة، وتغدو البيوت الخالية هدفا سهلا للصوص و"تسعة طويلة". بيوت نزح أهلها، وأخرى ترك أصحابها خلفهم على أمل العودة، فإذا بها تواجه الليل وحدها، بلا أهل ولا حارس. المدينة التي كانت أنوارها تقول إن الحياة مستمرة، أصبحت في كثير من أحيائها مدينة تتحسس طريقها وسط العتمة. وكأن الخرطوم لم تفقد الكهرباء فقط؛ بل فقدت شيئا من طمأنينة الليل.

 

وماذا عن ليل السل؟ السل ليس مجرد مرض يصيب الجسد؛ إنه صورة للضعف، والهزال، والفقر، والموت البطيء الذي ينخر الإنسان من الداخل. وهذا هو الوجه الآخر للحرب. فليست الحرب رصاصة أو قذيفة فحسب. الحرب أيضا جوع، وفقر، وانقطاع عن العمل، وبيت مهدّم، وأسرة فقدت مصدر رزقها، وكادح يحاول أن يعيش بما تبقى لديه من قوة. إنه موت لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يتسلل ببطء. ينخر أجساد الفقراء والمساكين، ويثقل خطوات الذين كانوا يكافحون من أجل لقمة العيش، فإذا بالحرب تنتزع منهم حتى القدرة على الكفاح.

 

في ذراع الليل، ليل السل،

كالأم الحزينة

لم تزل تبصق آلاف المساكين: المدينة

 

وكأن المدينة نفسها لم تعد قادرة على احتضان أبنائها، تلدهم، ثم تقذف بهم إلى الأرصفة. وإذا كانت الخرطوم قد عرفت يوما مقاهيها العامرة، فإن تلك المقاهي كانت أكثر من أماكن لشرب القهوة. كانت فضاءات صغيرة على هامش الحياة الرسمية؛ ملاذا للهاربين من صخب المدينة، ومكانا يلتقي فيه المثقف بالسياسي، والموظف بالطالب، والغريب بابن البلد. كانت المقاهي القديمة جزءا من ذاكرة الخرطوم.

 

أما اليوم، فإن صورة المقهى نفسها تبدو مختلفة. أصبحت المقاهي ملاذا لمن يبحثون عن شيء من الحياة وسط الخراب؛ يجلس فيها السكارى والموجوعون والمنكسرون، كل واحد منهم يحمل وحدته ويعانقها، ويحاول أن يهرب من قسوة الواقع إلى دخان الذاكرة. المقهى أصبح مكانا لمواجهة المنفى، حتى لو كان المنفى داخل الوطن. هناك، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الكلام. تكفي جلسة طويلة، وفنجان قهوة، وذاكرة لا تعرف كيف تصمت.

أي أغنيات يمكن أن تولد من مدينة أكلتها الحرب؟

ومقاهيها القديمة

وأغانيها الأليمة

لم تعد الأغنية بالضرورة للفرح، بل أحيانا تكون طريقة لاستدعاء الفرح الغائب. يغني الناس لأنهم لا يريدون أن يموت آخر ما تبقى من الحياة في دواخلهم. وقد تقام الحفلات، وتتعالى الموسيقى، وتبدو الوجوه مبتسمة، لكن شيئا في الداخل يظل مثقلا بالحزن. كأن الفرح نفسه قد أصبح تمثيلا، أو محاولة لجلد الذات، وإقناع النفس بأن كل شيء على ما يرام، بينما الذاكرة تعرف أن شيئا ما قد انكسر ولن يعود بسهولة. كل أغنية قديمة تحمل معها شارعا، وكل لحن قد يستدعي وجها، وكل مناسبة فرح قد تفتح بابا إلى ذاكرة حزينة. وهكذا لا تعود الأغنية مجرد أغنية، وإنما تصبح وخزا داخليا، تذكيرا بمن غاب، وبمكان لم يعد موجودا كما كان، وبأيام كان الناس يظنون أنها ستبقى إلى الأبد.

في مقاهيها، وفي حاراتها السود اللعينة

وعلى أشجارها الصفر الدميمة

يولد الخوف، كما تولد في أعماقها السفلى الجريمة

 

الخوف هو أكثر ما تتركه الحرب وراءها. حتى بعد أن يصمت الرصاص، يبقى الخوف ساكنا في الذاكرة؛ الخوف من العودة، والخوف على البيت، والخوف من المجهول، والخوف من أن تجد المدينة التي عدت إليها غير المدينة التي غادرتها. وهذا هو حال الخرطوم اليوم؛ مدينة لا تزال تحاول أن تتعرف إلى وجهها في المرآة، ولا يزال طائر الشؤم يحلق في سمائها بمسيرات الدرون، ولكنها تحاول أن ترتدي فستان الزفاف وتنسى مآسيها. الخرطوم ليست مدينة بلا ذاكرة. هذه المدينة التي شهدت كل ذلك، عرفت في تاريخها كيف تنهض. عرفت كيف تعود إلى الحياة بعد الأزمات، وكيف تعيد ترتيب شوارعها، وكيف تستعيد مقاهيها وأغانيها، وكيف تفتح أبوابها لأبنائها. ولهذا فإن الصورة السوداء التي ترسمها الحرب لا ينبغي أن تكون الصورة الأخيرة. فالليل، مهما طال، ليس أبديا. والمدينة التي خلت شوارعها ستعود إليها الخطى. والمقهى الذي أغلق بابه يمكن أن يفتحه من جديد. والأغنية التي انكسرت يمكن أن تستعيد صوتها. والبيت الذي هجره أهله يمكن أن تدخله الحياة مرة أخرى.

 

والخرطوم التي تبدو اليوم، في بعض أحيائها، كمدينة أشباح، يمكن أن تسترد عافيتها. تلك الخرطوم التي نعرفها في الذاكرة. خرطوم الليل الذي كان له سحره، خرطوم الشوارع التي كانت تضج بالحركة، خرطوم المقاهي القديمة، خرطوم الأغاني، خرطوم الأزهري ومحمد أحمد محجوب، ومبارك زروق، ويحيى الفضلي وأحمد خير المحامي، الذين كانوا يختلفون دون أن تتحول خلافاتهم إلى مقابر.

 

ومن هنا تأتي أهمية الجهود التي تتضافر اليوم من أجل عودة الخرطوم وإعمارها. فالإعمار ليس أن نعيد بناء الحجر وحده. نحن بحاجة إلى إعادة بناء الحياة، ورتق النسيج الاجتماعي. بحاجة إلى أن يعود الإنسان إلى بيته، والطفل إلى مدرسته، والعامل إلى عمله، والمقهى إلى رواده، والأغنية إلى صوتها، والشارع إلى أهله. نحتاج أن تعود الخرطوم مدينة لا مجرد مساحة جغرافية. ولعل أكثر ما نحتاجه هو أن نكسر دورة "القطة السوداء"، وأن تتوقف المدينة عن ابتلاع أبنائها، وأن يتوقف الوطن عن دفعهم إلى المنافي، وأن يصبح المستقبل مكانا يمكن أن يعيش فيه الناس بدل أن يهربوا منه.

لم تزل كالهرة السوداء

أعماق المدينة

ترضع صغارها من ثدي الأمومة

 

ربما تكون صورة القطة السوداء قاتمة وسوداوية. لكننا لا نريد أن نترك الخرطوم أسيرة لذلك الواقع. فحتى لو بدت اليوم كأنها قطة سوداء في ليل طويل، فإن في أعماقها شيئا آخر ظل حيا: قدرة المدينة على الولادة من جديد. ربما لا نعرف متى يطلع الصبح. لكننا ندرك أن الخرطوم لا يمكن أن تظل مدينة أشباح إلى الأبد. سيأتي يوم تفتح فيه الأبواب التي أغلقتها الحرب، ويعود الناس إلى الشوارع التي اشتاقوا إليها، وتعود المقاهي إلى أحاديثها، وتعود الأغاني لتكون أغاني فرح، لا مجرد محاولة لتغطية الجرح. ويعود الليل كما كان؛ لا موعدا للخوف، وإنما موعدا للجمال. ويعود ليل الفرح. عندئذ، ننظر إلى كل هذا الخراب من بعيد، ونسأل أنفسنا كيف عبرناه. ونكتشف أن الخرطوم لم تكن بحاجة إلى أن تولد من جديد، بقدر ما كانت بحاجة إلى أن تستعيد روحها القديمة. فمن وراء هذا الليل الطويل، تظل هناك نافذة مفتوحة على الصباح. ومن خلف ركام المدينة، ما زال هناك وطن ينتظر أبناءه. ولعل الخرطوم تنهض ذات صباح من تحت رمادها، وتفتح شوارعها من جديد، ونقول إن المدينة التي أحببناها لم تمت؛ كانت فقط تنتظر أن ينجلي ذلك الليل الطويل.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...