أوان البوح 

أحمد عمران 

أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في عديد من المجالات: من الطب والتعليم إلى الإعلام والبحث والكتابة. ولم يعد السؤال متعلقاً بوجوده أو عدمه، وإنما السؤال الحقيقي عن الدور الذي نسمح له بأدائه وعدم السماح له بتجاوزه، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بعملٍ يكون جوهره التفكير والتعبير عن الرأي.

في الطب مثلا، كان الطبيب يعتمد على ذاكرته وحدها في اتخاذ قراره. وكانت هناك مراجع ضخمة تجمع المعلومات المتعلقة بالأدوية والجرعات والتفاعلات وموانع الاستخدام، يعود إليها الطبيب ليستعين بها في الوصول إلى القرار المناسب. لكن المرجع، مهما اتسعت معلوماته، لم يكن طبيبا، ولم يكن مسؤولا عن تشخيص المريض أو اختيار علاجه، وإنما كانت وظيفته أن يضع المعرفة بين يدي الطبيب، بينما يبقى الحكم والتقدير مسؤولية الإنسان.

وفي مجال اللغات والترجمة، كان المترجم يعتمد كثيراً على المعاجم والقواميس يرجع إليها للبحث عن معاني الكلمات واستخداماتها ودلالاتها المختلفة. وقد يستغرق الوصول إلى المعنى المطلوب وقتا وجهدا، لكن العثور على الكلمة في القاموس لم يكن يعني أن مهمة المترجم قد انتهت. فالكلمة الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، وقد يتغير معناها باختلاف السياق، وهنا تبدأ مهمة المترجم الحقيقية: أن يفهم النص، وأن يلتقط دلالته، وأن يختار من بين المعاني المتاحة ما يناسبه بدقة. كان القاموس يضع المعرفة بين يديه، لكن ذائقة المترجم وفهمه للسياق وخبرته باللغة هي التي تحدد الاختيار. واليوم قد يختصر الذكاء الاصطناعي كثيرا من هذا الجهد، فيقدم المعاني والبدائل والصياغات بسرعة كبيرة، لكنه لا يلغي حاجة المترجم إلى الفهم والتقدير؛ لأن وفرة الخيارات لا تعني بالضرورة اختيار الخيار الصحيح.

وينطبق ما ذكرناه عن مجالي الطب والترجمة على الكتابة المهنية. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد الكاتب في ترتيب أفكاره، واقتراح زوايا للموضوع، وتبسيط جملة معقدة، أو مراجعة نص طويل، بل يستطيع أن يقترح بدايات وصياغات متعددة في ثوان. وهذه كلها فوائد حقيقية لا يمكن إنكارها. فالكاتب الذي يستخدم هذه الأدوات بوعي قد يوفر وقتا وجهدا، ويمنح نصه فرصة لأن يكون أكثر وضوحا وسلاسة.

لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من مساعدة الكاتب على الكتابة إلى الكتابة نفسها بدلا منه.

وهنا لابد أن نكون أكثر تحديداً، إذ يجب ألا نضع الحديث عن   الذكاء الاصطناعي والكتابة كله في سلة واحدة. هناك فرق بين الخبر، الذي تحكمه قواعد مهنية صارمة في جمع المعلومات والتحقق منها وصياغتها، وبين المقال ومقال الرأي، حيث تكون قيمة النص مرتبطة بدرجة كبيرة بما يضيفه الكاتب من فكرة ورؤية وتحليل وموقف. في مقال الرأي، لا تكمن قيمة النص في جمال عباراته وحدها، وإنما في الفكرة التي تقف خلفها، وفي قدرة الكاتب على رؤية ما قد لا يراه الآخرون، وربط الوقائع ببعضها، وطرح الأسئلة، وتقديم تفسير أو موقف يستحق أن يُقرأ ويُناقش. وهذا هو الجزء الذي يجب ألا يتنازل عنه الكاتب للآلة.

قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب فقرة تبدو جيدة، وربما مقالا كاملا يبدو متماسكا ومقنعا. لكنه لا يعبر عن تجربتنا الشخصية، ولا ذاكرتنا، ولا علاقتنا بالأماكن والأشخاص والأحداث، ولا ذلك القلق الذي يدفعنا إلى الكتابة عن قضية دون أخرى. والأهم أنه لا يتحمل المسؤولية الأخلاقية والفكرية عن الفكرة التي نضع اسمنا عليها.

الكاتب الحقيقي لا يكتب لأنه يريد ملء مساحة، وإنما لأنه يريد أن يقول شيئا. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للكتابة المهنية ليس أن يستخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي، وإنما أن يتوقف عن التفكير لأنه أصبح قادرا على الحصول على نص جاهز بضغطة زر. عندها تتحول الأداة من وسيلة تساعد العقل إلى بديل عنه، ومن مساعد للكاتب إلى كاتب آخر يختبئ خلف اسمه.

ودعنا نسأل أنفسنا بصراحة: لو اختفت الأداة بعد فراغنا من المقال، هل نستطيع أن نشرح فكرتنا، وأن ندافع عنها، وأن نضيف إليها، وأن نجيب عن الأسئلة التي يطرحها القارئ؟ ولنبسّط الفكرة أكثر: لو كتب تلميذ موضوعا متماسكا، سليم اللغة والإملاء، واضح الأفكار، مترابط الفقرات، حسن الأسلوب، ثم قدمه إلى معلمه، فهل يستطيع أن يناقش ما كتب بسلاسة؟ هل يفهم الفكرة التي عرضها، ويستطيع أن يشرح لماذا اختارها، وأن يضيف إليها أو يدافع عنها إذا ناقشه المعلم؟ إذا كان قادرا على ذلك، فلا بأس أن يكون قد استعان بأداة ساعدته على تحسين الصياغة أو ترتيب أفكاره. أما إذا وقف عاجزا أمام أبسط سؤال عن موضوعه، ولم يجد ما يقوله خارج النص الذي بين يديه، فهنا تكون المشكلة؛ لأنه لم يستخدم الآلة لتساعده على التفكير، وإنما سلّمها مهمة التفكير نفسها. وعندئذ لا يكون المطلوب من المعلم أن يكتفي بتصحيح الأخطاء، بل يجب عليه أن يطلب من التلميذ أن يعيد كتابة التعبير مرة أخرى ويرشده أن يفكر أولاً ثم يكتب.  وهذا هو الفرق الذي يجب ألا يغيب عن بالنا: استخدام الأداة شيء، وتسليمها زمام التفكير شيء آخر.

وفي الكتابة المهنية – لا سيما المقال ومقال الرأي -  ستبقى قيمة الكاتب في الشيء الذي لا يمكن أن تمنحه الآلة جاهزا: أن يفكر، وأن يرى، وأن يختلف، وأن يقول لماذا. فحين تتوقف الآلة عن العمل، يجب أن يبقى الكاتب قادرا على التفكير، ذلك هو المحك! 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...