أحمد عمران
«طائر الليل» هو ديوان شعر الدكتور حسن عباس صبحي، ففي هذا الديوان يطل علينا شاعر متعدد المواهب، جمع بين الأدب والترجمة والنقد والأكاديميا والإعلام، وكان لصوته الإذاعي المميز حضوره الخاص، حتى بدا صوته في الميكروفون امتدادا لصوته الشعري في القصيدة. اخترنا بعض النماذج التي تكشف عن تنوع تجربته الشعرية، وعن قدرته على أن يجعل من الحزن صورة، ومن الصورة موسيقى، ومن الموسيقى نافذة تطل منها الروح على الإنسان والحياة.
والتجربة الشعرية، في أبسط معانيها، هي تلك الحالة التي تلابس الشاعر، فتوجّه بصره أو ذهنه أو بصيرته إلى موضوع من موضوعات الحياة، أو واقعة من وقائعها، أو مشهد من مشاهد الوجود، ثم تؤثر فيه تأثيرا يدفعه إلى التعبير عما رأى أو أحس أو تأمل. وليس المهم في هذه التجربة موضوعها وحده، وإنما مدى صدق الانفعال بها، ومدى توفيق الشاعر في منح ذلك الانفعال ثوبه الفني الملائم.
وفي شعر الدكتور حسن عباس صبحي نجد أن الثوب الشعري غالبا ما يأتي على مقاس التجربة؛ فلا تكون الصورة زائدة عن حاجتها، ولا الموسيقى منفصلة عن انفعالها، ولا الألفاظ مجرد زينة لغوية. وإنما تتعاون هذه العناصر لتجعل القارئ يدخل إلى عالم الشاعر ويشارك وجدانه.
ومن أصدق تجاربه الوجدانية والقصصية قصيدته «الأرنبة» ، وهي تجربة تبدو في ظاهرها بسيطة: أرنبة تقع في يد الجلاد، غير أن الشاعر لا يرى في المشهد مجرد ذبح حيوان، وإنما يرى فيه صورة مصغرة للموت، ومشهدا من مشاهد العجز أمام قسوة الحياة. يبدأ الشاعر من عالم بريء ناعم، عالم الأرنبة قبل أن تمتد إليها يد الموت:
من مرتع الحياة المستطاب الناعم
من ملعب الرفاق السوسني الحالم
من نشوة الجني من الربيع الباسم
ثم تأتي المفاجأة الحادة:
تناولتها بغتة يد الجلاّد
فشق صمت دارنا
صراخها الجريح
هنا تتبدل نبرة القصيدة كما تبدلت حياة الأرنبة. فالربيع والملعب والنشوة تقابلها يد الجلاد والصراخ والدم. ومن جماليات التجربة أن الشاعر لا يكتفي بوصف ما حدث، وإنما يدخل إلى أعماق الكائن المذعور، فيمنحه إحساسا ورغبة في الحياة:
تحاول النجاة من براثن الجلاّد
لكنها كانت مهيضة الجناح واهنة
ثم يبلغ المشهد ذروته في لحظة خاطفة:
تقلصت أوصالها للمسة السكين
وفي هنيهة...
تدفقت بحيرة الدماء
إنها تجربة الموت، لكن الشاعر يوسّعها لتصبح تجربة الإنسان أمام الفناء والعجز والقسوة. ثم تأتي المفارقة الإنسانية الأشد إيلاما حين تنتقل القصيدة من الأرنبة إلى الطفلة التي لا تعرف حقيقة ما حدث، وتسأل أباها عنها:
متى أبي ... متى تعود «الأرنبة»؟
فأجيب في دعابة رتيبة الإيقاع..
غدا بنيتي ... غدا تعود الأرنبة
وهنا تبلغ التجربة ذروة إنسانيتها؛ فالأب لا يواجه موت الأرنب وحده، بل يواجه براءة الطفولة أمام حقيقة الموت. ولذلك يصبح «غدا» في ختام القصيدة أكثر من إجابة عابرة؛ إنه محاولة أبوية لتأجيل الحزن، وحماية الطفلة من معرفة الحقيقة.
أما قصيدة «طائر الليل»، التي حمل الديوان اسمها، فتقدم لنا تجربة مختلفة، أقرب إلى التأمل الوجداني والفكري. فالطائر هنا ليس مجرد كائن يحلق في الليل، وإنما يتحول إلى رمز للحزن والقلق والسهر والبحث عن معنى.
يقول:
يا طائرَ الليلِ
ولّى من الليل عمرٌ طويلْ
وما زلتَ أنت
تصيحُ تصيحْ
بصوتٍ جريحْ

إن تكرار «تصيح» ليس تكرارا لفظيا فحسب؛ إنه يحاكي امتداد الصرخة في ليل طويل، حتى يصبح صوت الطائر صوتا داخليا في نفس الشاعر:
وينهال يا طائري في حزنْ
فتكنزه العتمةُ الحالكةْ
ويثخن فينا جراح الشجنْ
لكن تجربة دكتور صبحي لا تستسلم للظلام. فالصباح يأتي، ومعه يتحول الوجود كله:
إلى أن تهلَّ عيون الصباحْ
وتنشر شمس النهارِ الضياءْ
وهنا تكمن إحدى أجمل خصائص تجربة الشاعر: الحزن عنده ليس نهاية الطريق. فالليل، مهما طال، يلد صباحا؛ والألم يمكن أن يتحول إلى رجاء؛ والسكون قد يعقبه فعل وكفاح.
ولذلك يقول عن طير «الخداري»:
يمضي الصباح
بأنفاسه الحلوة الطيبة
بأنوار بهجته الساطعة
بأزهاره النضرة الباسمة
بأطياره حرة في الفضاء
وطير الخداري يغني طليقا
نشيد الأمل... ربيع الحياة
ينغّم ألحانه في انتصار
ويشعل في القلب روح الرجاء
ونار الكفاح
فالقصيدة تبدأ بصوت جريح وتنتهي بروح الرجاء. وبين الطرفين رحلة نفسية كاملة؛ من العتمة إلى الضوء، ومن الشجن إلى الأمل.
وفي قصيدة «ليالي الصيف» ننتقل إلى تجربة تصويرية غنائية، يبدأ فيها الشاعر من الطبيعة وكأنه يرسم لوحة ليلية هادئة:
قمر مشبوب الأضلاع
يتراقص في بحر البلور
والأنجم... يا للأنجم
حول القمر عرائس نور
وشراع يرشف في شوق
أنفاس الريح النشوانة..
والمجداف يرتاد الموج بإيقاعه
والمركب يسري بأمانه
المشهد هنا مشبع بالحركة والضوء. فالقمر «يتراقص»، والنجوم «عرائس نور»، والشراع «يرشف» أنفاس الريح، والمجداف يرتاد الموج. إنها طبيعة نابضة بالحياة، وليست طبيعة ساكنة.
ويزداد المشهد موسيقى مع صوت الملاح:
هيلا... هيلا... هوبي
هيلا... هيلا... هوبي
غير أن دكتور صبحي لا يلبث أن ينقلنا من جمال الطبيعة إلى جرح الذاكرة. فالمشهد الخارجي لم يكن سوى الباب الذي دخل منه إلى الماضي:
ويثير بأعماقي لهفة
لليالي الصيف على الشط
أيام بنينا عشّ الحبّ
وهكذا تتحول الطبيعة إلى مرآة للنفس. فالقمر ليس قمرا وحسب، والبحر ليس بحرا فقط؛ إنهما يستثيران ذاكرة الحب القديم. ولذلك تنقلب نغمة القصيدة من الابتهاج إلى الانكسار:
لكني أجلس يا ملاح
في هذا اليوم كسير القلب
قد ضاع الحب أيا ملاح
قد ضاع الحب
وهنا تتجلى قدرة دكتور صبحي على المزاوجة بين التجربة التصويرية والتجربة الوجدانية؛ فالصورة الطبيعية ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة للكشف عن حالة القلب.
أما في قصيدة «عشيقة الفنون» فإن الفن نفسه يصبح موضوع التجربة ومصدر انفعالها. ويبدأ الشاعر بصورة خاطفة حادة:
زوبعة من الحسن
يا لها من زوبعة
خطواتها النارية الموقعة
تنوش ألف سهم في القلوب الجائعة
إنها ليست صورة هادئة؛ إنها حركة وعاصفة ولهب. ولذلك يأتي التكرار وكأنه جزء من إيقاع الرقص:
دورة فدورة فدورة
وإذا المكان كله طرب
دورة فدورة فدورة
وإذا المكان كله صخب
دورة فدورة فدورة
وإذا المكان كله لهب
فالموسيقى هنا لا توصف بالكلمات فقط، وإنما تتجسد داخل الكلمات. والتكرار يحاكي حركة الراقصة، وتصاعد الانفعال، وانتقال المكان من الطرب إلى الصخب إلى اللهب.
ثم، فجأة، ينطفئ كل شيء:
وماتت الألحان في برودة الوتر
وانشقت الصدور عن آهاتها وخيم السكون
لقد انتهى العرض، لكن أثره لم ينتهِ. وهنا تتداخل تجربة الفن مع تجربة الحياة والموت، فيقول:
يا أخت روحي
يا عشيقة الفنون
أواه حينما يخيم السكون
فالفن عند دكتور صبحي ليس ترفا جماليا؛ إنه حياة أخرى، وإذا سكتت الموسيقى شعر الإنسان كأن جزءا من روحه قد سكت معها.
وللدكتور صبحي تجربة في الشعر الغنائي، تتجلى بصورة خاصة في قصيدته « ماذا يكون حبيبتي» التي تغنى بها الفنان عبد الكريم الكابلي، وهي من النصوص التي اكتسبت حضورا واسعا في الذاكرة الغنائية السودانية. وقد جمعت القصيدة بين الحزن والأمل، وتميزت بمفرداتها وجرسها الموسيقي، حتى غدت من الأعمال البارزة في الغناء السوداني. والشعر الغنائي لا يحتاج إلى سرد طويل؛ فهو يمسك باللحظة الشعورية وهي في ذروة توهجها، ويضعها أمامنا في كلمات قليلة مشحونة بالإيحاء. ومن أجمل ما في التجربة أن الشاعر يترك السؤال معلقا:
ماذا يكون حبيبتي؟
ماذا يكون؟
ثم يترجم ألم الفراق في صورة مباشرة موجعة:
يا جرح دنياي الذي لا يندمل
يا من تركت القلب ينزف في أنين
لكن هذا الحزن لا يغلق القصيدة على اليأس؛ فحتى القلب المكلوم يظل قادرًا على الحب والعطاء:
لك من فؤادي باقة الحب الحنون
لك من عيوني دمعة المزن الهتون
وهنا تكمن قيمة التجربة الغنائية: أن الشاعر لا يفسر لنا الحزن، وإنما يجعلنا نحسه. وهذه النماذج تكشف أن دكتور حسن عباس صبحي لم يكن شاعر موضوع واحد. إنه شاعر تلتقي في تجربته العاطفة بالصورة، والصورة بالموسيقى، والموسيقى بالفكرة. وقد يكون المشهد في ظاهره صغيرا: أرنبة مذبوحة، أو طائر يصرخ في الليل، أو مركب يعبر الماء، أو عازفة تملأ المكان موسيقى؛ لكن الشاعر يلتقط من هذه التفاصيل ما يتجاوزها إلى معنى إنساني أوسع.
فالأرنبة تصبح سؤالا عن الموت والبراءة، وطائر الليل يصبح صوتا للشجن ثم بشارة بالأمل، وليالي الصيف تصبح ذاكرة لحب ضائع، والموسيقى تصبح تعبيرا عن الحياة حين تتوهج، وعن الفراغ حين تخيم عليه لحظة السكون.
الشاعر الحق، كما تقول التجربة، هو الذي يستطيع أن ينقل القارئ إلى جوّه. وحين نقرأ لدكتور حسن عباس صبحي نشعر أننا لا نقرأ حادثة أو مشهداً فحسب، وإنما ندخل إلى عالم رجل رقيق الحس، شديد الالتفات إلى الإنسان في ضعفه وألمه وأمله.
ولذلك فإن «طائر الليل» لا يبقى مجرد ديوان يحمل قصائد متفرقة، بل يبدو في مجمله خريطة لروح شاعر؛ روحٍ رأت في الليل حزنا، وفي الصباح وعدا، وفي الطبيعة ذاكرة، وفي الفن خلاصا، وفي الحب جرحا لا يندمل، وفي الإنسان دائما شيئا يستحق أن يُغنّى له.
وهنا تكمن قيمة التجربة الشعرية عند الدكتور حسن عباس صبحي: أنه لم يكتب عن الحياة من خارجها، وإنما كتب من داخل ارتجافها؛ فكانت قصيدته، في أجمل لحظاتها، مرآةً لروحه، ومرآةً لنا.




التعليقات (0)
جاري التحميل...