د. عثمان البشرى المهدي

ظلت بنية الدولة السودانية لعقود طويلة تعاني من عيوب هيكلية كثيرة. لم توقف مسيرتها بالمعنى الكامل، لكنها أثّرت فيها سلبًا، وحدّت كثيرًا من مظاهر التعافي السياسي والاجتماعي والثقافي المؤدي إلى رفاه الإنسان السوداني وانطلاقه نحو آفاق المستقبل.

لقد حاول كثير من المهتمين بالشأن العام، والمشتغلين بالعمل السياسي أو في حقول التنظير، إيجاد برامج أو ملامح لبرنامج متفق عليه يفضي إلى تنمية مستدامة، إلا أنهم ظلوا يراوحون مكانهم.

وليس ذلك لعدم كفاءتهم، ولكن لقفزهم فوق أهم مشكلتين تجابهان الأمة السودانية: مسألة الوطنية والوطن، وتقديس الشخوص.

أولًا: أزمة مفهوم الوطنية

كثيرًا ما ارتبطت مسألة الوطنية والوطن بالأنظمة الحاكمة، التي جعلت مفهوم الوطن متماهيًا معها، فلا وطنية إلا بالنظام. وهنا يكمن جوهر الخلاف بين الأنظمة الحاكمة والمعارضة، حيث تعمد الأنظمة إلى إلصاق تهم عدم الوطنية والارتماء في حضن الأجنبي والعمالة بمعارضيها.

يحدث هذا بالرغم من أن العالم اليوم أصبح يتعاطى السياسة كفعل يومي مدرك لكل السياقات، واتسعت الدائرة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، مما أوجد حالة من السيولة والتعامل مع الأحداث المتقاطعة، والتي تستوجب قدرًا من التعبئة في مقابل التراكمية اللازمة لبناء المؤسسات الحزبية والمعرفية.

ولعل هذا ما سعت إليه النظم الحاكمة باستقطاب موالين أو منتفعين منها، كعادة النظم الأوتوقراطية التي تسعى لخلق حالة من "الفوران اللحظي"، والذي ربما يترك أثرًا بوسم المعارضة بما ليس فيها.

هذه الحالة أدخلت السودان في درك التمزق بسبب الاستقطابات السياسية والفكرية والهوياتية، بالرغم من وجود كثير من التشابهات السياسية والثقافية التي كان يمكن أن تطرح بهدوء لتأكيد معاني الوطنية عبر حوارات بناءة، عوضًا عن الطرح العاطفي المشحون لتدعيم مقولة النظم بعدم وطنية المعارضة.

ثانيًا: تقديس الأفراد

يلي ذلك مسألة تقديس الأفراد والزعماء، وكأنما لا يأتي منهم خطأ في الرأي، وكأنما ما يتفوهون به قرآن كريم.

وفكرة القدسية هذه قدح زنادها كثيرٌ من المتعلمين والمثقفين، الذين ما فتئوا يقتاتون من فتات موائد المقدسين.

ولا تُعفى من ترسيخ ذلك المفهوم الأحزاب السياسية على اختلافها، ولا أدل على ذلك مما يسمى بـ"مدرسة الكادر"، التي تسعى لتدريب جيل يعتمد على التلقين والإلقاء دون مناقشة أو اعتراض أو اقتناع تام.

إن في السودان كثيرًا من الخيوط غير المرئية التي إذا أُمسك بها وأحسن استخدامها لاستطاعت أن تعبر به إلى برِّ الأمان. فشرعية القيادات ليست بالطاعة العمياء ولا بحب الزعامات، إنما بتحقيق طموحات وآمال وتطلعات الجميع.

الوجود الإنساني مرتبط بالعطاء المستمر والتجديد، لا بالإرث القديم والاعتماد عليه. نحن أمام تحد حقيقي حتى لا يموت ضمير الأمة الواعي، بتراثيات قد تكون موحية بالجديد لا بالتقوقع داخلها.

إذًا، فإن معالجة مفهوم الوطنية هي مدخل لنهضة الوطن وتعافيه ولمّ شمله، ولا يقل عن ذلك أهمية، التخلي عن مفاهيم قدسية الأفراد والمؤسسات.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...