عامر علي الحاج
يمثل تقدمُ الجيش السوداني وحلفائه في كردفان تطورًا عسكريًا مهمًا، لأنه يواصل تضييق الخناق على قوات الدعم السريع تدريجيًا من الشرق نحو الغرب. فمنذ الأيام الأولى للحرب، كان الشرق هو الملاذ الذي انسحبت إليه مؤسسات الدولة بعد سقوط معظم الخرطوم، ثم تمددت قوات الدعم السريع إلى الجزيرة، ولاحقًا إلى أجزاء من سنار، وبلغت تخوم ولاية نهر النيل والقضارف، في لحظة بدا فيها ميزان القوة يميل بصورة واضحة لصالحها. أما اليوم، فإن مسار العمليات يسير في الاتجاه المعاكس، بما يجعل هذا التقدم جديرًا بالترحيب، لكنه في الوقت نفسه يستدعي قراءة سياسية أعمق من مجرد الاحتفاء بالإنجاز العسكري.
لقد خسرت قوات الدعم السريع، تباعًا، حاضنتها في وسط السودان، ليس فقط بسبب الهزائم العسكرية، وإنما بسبب الانفلات الأمني الذي صاحب سيطرتها على تلك المناطق. فقد تحولت عمليات النهب، والاستيلاء على المنازل، والاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم إلى سلوك شبه ممنهج، أفقدها أي تعاطف شعبي، وأثار في الوقت نفسه مخاوف سكان الشمال والشرق مما قد ينتظرهم إذا امتدت الحرب إلى مناطقهم.
ولم تكن هذه الصورة جديدة على أهل دارفور. فما شهدته الجنينة من مجازر، وما رافقها من انتهاكات واسعة، ثم حصار الفاشر ومحاولات اقتحامها، رسخ انطباعًا بأن قوات الدعم السريع تحمل أزمة بنيوية في علاقتها بالمجتمعات المحلية، تتجاوز الحسابات العسكرية إلى أبعاد قبلية وعنصرية ظهرت بوضوح خلال الحرب. وقد ساعد ذلك، بلا شك، في نجاح حملة التعبئة الإعلامية التي قادها الجيش السوداني ضد الدعم السريع، لكنه في المقابل أسهم أيضًا في تبييض صفحة المؤسسة العسكرية وقيادتها من مسؤولياتها عن الأزمات التي سبقت الحرب، وعن كثير من الأخطاء التي صاحبتها واستمرت خلالها.
وفي دارفور نفسها، لا تبدو أوضاع الدعم السريع أفضل كثيرًا. فالتوترات مع مكونات اجتماعية عديدة، وانضمام معظم الحركات المسلحة المنتمية إلى غير حاضنتها التقليدية إلى جانب الجيش منذ وقت مبكر، ثم موجة الانشقاقات الأخيرة التي شملت قيادات وقوات وشخصيات ذات وزن اجتماعي، مثل موسى هلال وآخرين، كلها مؤشرات على تراجع قدرتها على الاحتفاظ بقاعدتها البشرية والسياسية.
كما أن مشروع "حكومة التأسيس" لم ينجح، حتى الآن، في تقديم نموذج حكم أو إدارة يمنح السكان سببًا للدفاع عنه أو الالتفاف حوله. وبهذا أصبحت قوات الدعم السريع تخسر تدريجيًا رصيدها المحلي، وهو ما ينعكس بالضرورة على رصيدها الإقليمي والدولي. فحتى الدول التي رأت فيها يومًا أداة لتحقيق مصالحها، قد تجد نفسها أمام عبء سياسي وأمني وإنساني يصعب الدفاع عنه أو الاستثمار فيه.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمستقبل الدعم السريع، وإنما بمستقبل الجيش السوداني نفسه. كيف سيستثمر هذا التحول؟
هل سيعتبره فرصة لمعالجة الأسباب البنيوية التي قادت إلى الحرب، وإطلاق عملية إصلاح سياسي وعسكري تعيد بناء الدولة على أسس جديدة؟ أم سيكتفي باعتباره انتصارًا يسمح بإعادة إنتاج المعادلة القديمة، مع الاكتفاء بغسل صورته أمام الرأي العام الداخلي والخارجي؟
الخشية أن يتحول ما رفضه الجيش داخل السودان من تفاوض سياسي مع القوى المدنية إلى تفاوض من نوع آخر مع القوى الإقليمية والدولية، لتنفيذ الأجندة نفسها التي كانت هذه الأطراف تسعى إلى تحقيقها عبر الدعم السريع، ولكن هذه المرة من خلال الجيش نفسه. عندها لن تكون المشكلة قد حُلَّت، بل ستكون قد غيّرت أدواتها فقط.
إن التقدم العسكري في كردفان خبر يستحق الترحيب، لكنه ليس نهاية الحرب، كما لم تكن استعادة سنار والجزيرة والخرطوم من قبل نهايتها. والانتصار الحقيقي لن يقاس بعدد الكيلو مترات التي يستعيدها الجيش، وإنما بقدرته على استثمار هذا التقدم في بناء سلام عادل، ودولة جديدة تعالج جذور الأزمة، لا أن تعيد إنتاجها في صورة مختلفة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...