طاهر المعتصم

قبل أن يصمت المؤتمر الصحفي للجنة تهيئة الحوار، خرج علينا صديقنا الدكتور نصر الدين شلقامي، في حوار مع الزميل علي فارساب، قائلًا إنهم سيخاطبون الحركة الإسلامية، إحدى واجهات جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بقرار وزارة الخارجية الأمريكية، والمحلول فرعها السياسي وفق الوثيقة الدستورية.

فاللجنة تقول إنها لا تريد استباق الحوار بتحديد أطرافه أو أجندته، وهذا في ظاهره موقف إيجابي، لكن التناقض يبدأ من اللحظة التي تتولى فيها جهة لم تستمد تفويضها من توافق وطني واضح مهمة "تهيئة" الطريق إلى الحوار. فالتهيئة ليست عملًا فنيًا محايدًا تمامًا؛ لأنها، شاءت اللجنة أم لم تشأ، تتضمن تحديدًا للأولويات، وترتيبًا للأطراف، واختيارًا لقنوات الاتصال، وتعريفًا للمناخ الذي يصبح فيه طرف ما "شريكًا" وطرف آخر "معطلًا" أو خارج العملية.

وهنا تصبح عبارة (بمن حضر) خطيرة للغاية. فالحوار الذي يبدأ بمن حضر قد ينتهي بمن يملك القوة أو القدرة على الحضور، لا بمن يمثل السودان بكل تنوعه. والأخطر أن يتحول غياب طرف رئيسي إلى ذريعة لاحقة للقول إن الحوار لم يكتمل بسبب "عدم مشاركة" الآخرين، بينما تكون العملية منذ بدايتها قد صُممت على مقاس الحاضرين.

لا نحتاج في السودان إلى حوار جديد يضاف إلى أرشيف الحوارات، وإنما إلى عملية سياسية تستطيع أن تنهي الحرب وتمنع إعادة إنتاج أسبابها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق تشكيل أية لجنة لتهيئة الحوار ليس: كيف نبدأ؟ وإنما: بأي تفويض؟ ولمن؟ وعلى أي أساس؟

في تقديري، أخطر ما يمكن أن يحدث الآن أن نختلف على شكل الحوار قبل أن نتفق على معناه، وأن ننشغل بتهيئة الطاولة بينما يواصل السودانيون دفع ثمن الحرب. فالسلام لا يبدأ بمن يصل إلى الطاولة أولًا، وإنما بمن يضمن ألا يُترك أحد خارجها.

ولا يمكن أن نسد الآذان عن مطلب السلام، فالحوار ليس امتحانات شهادة سودانية ولا حقَّ التعليم لملايين الأطفال ولا إصدار عملة نقدية جديدة، ومؤكد أنه ليس تكريسًا للانقسام وتفتيت البلد، وترك ملايين السودانيين تحت سيطرة الدعم السريع.

هل تلم لجنة تهيئة الحوار شعث استباقها وتضع خطة عمل بالتشاور مع السودانيين، وتتلمّس مواقفهم وتستمع لأصوات النازحين واللاجئين والموجودين قسرًا خارج حدود ما تراه اللجنة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...