محمد الأمين عبد النبي

 

حين يتحدث البروفيسور سيف الدين حمد، وزير الري والموارد المائية الأسبق ورئيس الجهاز الفني للموارد المائية سابقًا، فإن المسألة لا تحتمل التهوين. فالرجل يتحدث من موقع الخبير الذي يعرف كيف تتحرك المياه، وكيف تُدار السدود، وكيف تنهار الدولة حين يُترك ملف السيادة المائية للارتجال والصدف. ومن هنا، فإن إفاداته الأخيرة بشأن سد النهضة وانحسار مناسيب النيل الأزرق يجب أن تُقرأ إنذارًا مبكرًا. فقد حذّر من أن انحسار المناسيب كان متوقعًا من الناحية الفنية، وأن الخطر الحقيقي يكمن في ضعف التحوطات وتراجع التنسيق المؤسسي، كما أعاد التذكير بانتقاده لدمج وزارة الري في وزارة الزراعة، وما ترتب على ذلك من إضعاف لفعالية إدارة هذا الملف الحساس.

سد النهضة منذ بداياته، كان ملفًا شائكًا بين دول الحوض، لكن الذي جعل أثره على السودان أكثر حدّة هو انهيار البيئة المؤسسية التي يفترض أن تراقب، وتتحوط، وتفاوض، وتخزّن المعلومات، وتترجمها إلى قرارات. وعندما تتوقف الاجتماعات الفنية، ويُترك التبادل اليومي للبيانات للتسييس، فإن الدولة لا تعود قادرة على إدارة المخاطر المائية، بل تصبح هي نفسها جزءًا من المشكلة. وقد أشار حمد إلى أن التوقف عن المشاركة في اجتماعات اللجنة الفنية الثنائية منذ نوفمبر 2024م، يكشف فجوة خطيرة بين المعرفة الفنية والقرار السياسي.

وهنا يتضح لماذا يبدو الحديث عن حكومة الأمر الواقع أكثر من مجرد توصيف سياسي. فالحكومة التي لا تستطيع أن تضبط ملفًا سياديًا بحجم المياه، في بلد يعيش حربًا وانهيارًا في الخدمات، تبدو عاجزة عن أداء الحد الأدنى من وظائف الدولة. وفي الواقع، فإن الأثر ينعكس مباشرة على حياة الناس اليومية، فالماء جزء من معركة البقاء نفسها.

ما يقوله سيف الدين حمد، في جوهره، هو أن السودان لا يملك ترف التعامل مع المياه كملف ثانوي أو فني. وعندما تُدمَّر المؤسسات، أو تُدمج على نحو يخلّ بتخصصها، أو تُحرم من التنسيق والبيانات والإنذار المبكر، فإن نتائج ذلك تظهر سريعًا في الحقول ومحطات المياه وحياة الناس. ولهذا فإن انتقاده لقرار دمج الري في وزارة الزراعة يُعد تحذيرًا من مسار كامل يقود إلى انهيار الدولة. فالأزمة تكمن في غياب الدولة التي تُحسن قراءة البيانات وتحويلها إلى حماية فعلية للبلاد والعباد.

إن أخطر ما في قضية سد النهضة بالنسبة إلى السودان ليس أن الجدل قائم حوله، بل إن الحرب جعلت البلاد أقل قدرة على إدارة الجدل نفسه. فحين تضعف الدولة، تتحول المياه من مورد للتنمية إلى مصدر للقلق، ومن ملف تفاوضي إلى اختبار بقاء المؤسسات. وفي مثل هذه اللحظة، لا يجوز الاستهانة بإفادات رجل خبر قطاع الري من داخله، ولا يجوز التعامل مع تحذيراته كخبر عادي. فالأمن المائي ليس ملفًا هامشيًا، فهو أحد أعمدة الحوكمة الرشيدة، وأحد شروط السيادة ذاتها.

لذلك، فإن التعامل الصحيح مع تحذيرات سيف الدين حمد يبدأ بأخذها مأخذ الجد. فالمطلوب عاجلًا تفعيل المجلس القومي للموارد المائية، واستعادة دور اللجان الفنية، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر. وأن يُنظر إلى هذه التحذيرات كفرصة لتصحيح المسار قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع أشد قسوة. فإذا تحدث سيف الدين حمد، فاعلموا أن الأمر جدّ.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...