أشرف عبدالعزيز

تستمر سلطة الأمر الواقع في الخرطوم في ممارسة هواية الهروب إلى الأمام، غافلة عن حقيقة أن الهامش المناور المتخيل أمامها قد اتسع لدرجة التحول إلى حصار مكتمل الأركان.

إن التعنت المستمر في الاستجابة لمبادرات الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار لم يعد يُقرأ في أروقة الدبلوماسية الدولية سوى باعتباره إصراراً على إدامة معلنة لأزمة إنسانية طاحنة، واستخفافاً غير محسوب بالتوازنات الدولية.

هذا الموقف المتصلب لا يمثل مجرد خيار سياسي، بل هو سلوك يُعجّل بإنهاء التأرجح الدولي حول مسألة "الشرعية"، ويدفع القوى العظمى إلى نزع الغطاء السياسي والدبلوماسي بشكل نهائي عن سلطة باتت معزولة في محيطها وفي المجتمع الدولي.

تتجلى هذه التحولات بصورة لا تدع مجالاً للشبهات في المواقف الأمريكية الأخيرة، حيث لم تعد واشنطن مكتفية بلغة البيانات التحذيرية، بل انتقلت إلى ممارسة ضغوط مباشرة وحاسمة تحمل في طياتها نزعاً صريحاً للشرعية.

إن الخطوة الدبلوماسية الدالة والمتمثلة في الامتناع عن منح قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة الدخول لحضور أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، متبوعة ببيانات الخارجية الأمريكية التي تتعامل مع مكونات هذه السلطة بوصفها سلطة أمر واقع معينة من قبل المؤسسة العسكرية لا حكومة معترفاً بها، تكشف عن تحول مفصلي في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الملف السوداني.

لم تعد الولايات المتحدة ترى في هذه السلطة طرفاً شرعياً يمكنه التحدث باسم الدولة في المحافل الدولية، بل باتت تتعامل معها كطرف رئيسي في تعميق المعاناة.

وعلى مسار متوازٍ، يأتي مشروع القرار المتوقع طرحه للتصويت في مجلس الأمن والتسريبات المتطابقة بشأن المسعى الأمريكي والبريطاني لتوسيع نطاق حظر السلاح ليملأ كامل الأراضي السودانية دون استثناء.

إن الرهان القائم لدى سلطة بورتسودان على استخدام الفيتو الروسي أو الصيني، ومساندة بعض الأطراف الإقليمية المحافظة كباكستان أو الكتلة الأفريقية، هو رهان على الأوهام، وتفريط في قراءة الواقع الاستراتيجي. فحتى لو تحققت معارضة هذا المشروع وتم تعطيله بدبلوماسية المحاور داخل قبة مجلس الأمن، فإن الثمن السياسي الناجم عن هذا التعطيل لن يكون في صالح الخرطوم إطلاقاً.

إن القفز فوق آلية مجلس الأمن لن يعني النجاة، بل سيرفع الغطاء الدولي لتفعيل حزمة من الإجراءات الأكثر قسوة وصرامة خارج أطر الأمم المتحدة. وتشير الملامح الأولية لهذه الإجراءات الموازية إلى التوجه نحو تضييق الخناق من خلال التحالفات الإقليمية والدولية المتعددة الأطراف، وتفعيل عقوبات أحادية ومجمعة تشمل الحظر المالي الخانق، والملاحقات القضائية، وتتبع مصادر التمويل والتسليح بدقة عالية. وفي هذا السياق، يبرز التشدد البريطاني القاطع والمتزايد بشأن ملف التحقيقات في استخدام أسلحة كيميائية أو محظورة ككرت ضغط عالي الخطورة، قادر على تحويل هذا الملف إلى قضية جنائية دولية تطال قيادات السلطة مباشرة بعيداً عن أية توازنات سياسية داخل المجلس.

إن الخيارات المتشكلة خارج مظلة مجلس الأمن تعني حصر سلطة الأمر الواقع في خانة العزلة التامة، ومحاصرة السودان من محيطه الإقليمي الحيوي. فالضغط المكثف الممارس على دول الجوار يهدف إلى تجفيف أي أوعية لوجستية أو منافذ سياسية قد تتنفس عبرها هذه السلطة، مما يضع البلد أمام واقع سيناريو العزلة الشاملة والشلل الاقتصادي والدبلوماسي الكامل. إن عدم إدراك عواقب هذه القراءة الدولية المتصلبة يضع السودان أمام كلفة باهظة، حيث يثبت الواقع أن الشرعية لا تُستمد من السيطرة الميدانية أو من تعبئة الحلفاء التقليديين، بل من المساءلة والتجاوب مع إرادة الشارع والرأي العام الدولي لوقف هذه الحرب.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...