د.عبد المحمود أبو

 اختتمت احتفالاتنا بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم وبلادنا تعيش ظروفًا مأساوية بسبب الحرب؛ فهل نجد في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يساعدنا على إيقاف هذه الحرب وتجاوز آثارها المأساوية؟.

عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد الجزيرة العربية تعيش في ظلام الجاهلية؛ حروب بين القبائل، ووأد للبنات، وعبادة للأوثان، وتفاخر بالأنساب، وضلال في المفاهيم؛ وعناد وصفه القرآن الكريم أبلغ وصف: "وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ".

إن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت رحمة؛ بل قال الله عنها إنها نعمة:"وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"، وتجلت مظاهر النعمة قبل البعثة في حكمته عندما اختلفوا في وضع الحجر، فعالج الأمر بأسلوب رضي به الجميع؛ لذلك علينا أن ندرس سيرته ونستلهمها لمعالجة الأزمة التي نعيشها، قال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا".

جاء رسولنا صلى الله عليه وسلم بالرحمة والسماحة والسلام وسيرته العطرة تبين كيف استطاع أن ينزع الغل والحقد والحسد من قلوب الناس ويبني مجتمع التراحم والتعاون والإخاء، ونحن اليوم أحوج ما نكون للاقتداء به ودراسة سيرته وترسم خطاه لإيقاف الحرب في بلادنا وتحقيق السلام؛ وذلك بالاعتبار الآتي:

أولًا: ربى أصحابه على مكارم الأخلاق؛ فطهر قلوبهم من كل الأمراض وغرس فيها الإيمان والحب والسماحة والعفو والصبر؛ تعرض هو وأصحابه ثلاثة عشر عامًا للعنف والاضطهاد والظلم وكان التوجيه الإلهي لهم "كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة"، وعندما طلب منه المستضعفون أن يستنصر لهم دعاهم للصبر وتحمل الأذى، وتعرض هو نفسه للضرب والإساءة في الطائف فجاءه ملك الجبال ليدمر أعداءه فرفض وقال: "إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون".

ثانيًا: غرس في مجتمع المسلمين مفاهيم الأصل الواحد للبشر، ونزع منهم التعصب للقبائل والتفاخر بالأنساب، "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ"، فالفخر بالأحساب من أمور الجاهلية؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ"، وهذا ذم للفخر بالأحساب؛ وذلك أن الإنسان إنما يشرف بأفعاله ولا ينفعه شرف آبائه وأجداده، وقال الشاعر:

إذا افتخرتَ بأقوامٍ لهم شرفٌ 

قُلنا صدقتَ ولكن بئسَ ما وَلَدوا

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ"، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

ثالثًا: حذر من سفك الدماء وانتهاك كرامة الإنسان، وبين أن مِنْ أعظم الحُرُمات حُرْمة المسلم، والسيرة النبوية مليئة بالمواقف والأحاديث الدالة على حُرمة المسلم في دمه وماله وعرضه، ومن ذلك: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ يَوم النَّحْرِ فقال: يا أيُّها النَّاس أيُّ يَومٍ هذا؟ قالوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قال: فأيُّ بَلدٍ هذا؟ قالوا: بَلَدٌ حَرَام، قال: فأيُّ شَهْرٍ هذا؟ قالوا: شَهْرٌ حَرَام، قال: فإنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، فأعادها مِرَاراً، ثُمَّ رفع رأسَه فقال: اللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ. قال ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فوَ الَّذِي نَفْسِي بيَدِه، إنَّها لوَصِيَّتُهُ إلى أُمَّتِه". رواه البخاري.

مِن أعظم الذنوب بعد الشرك بالله عز وجل: قتل مسلم بغير حق، قال ابن كثير في تفسيره: "لما بيّن تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: {َمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) "النساء:93".

رابعًا: بين أن الحرب بين المسلمين من أعظم المحرمات، حيث قال: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".

وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار".

وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من قاتل تحت راية عَمِيَّة، يغضب لعُصْبَة، أو يدعو إلى عُصْبَة، أو ينصر عُصْبة، فَقُتِلَ فَقِتْلَتُه جاهلية".

وروى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَزَالُ العبدُ في فَسْحَةٍ من دِينِه ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا".

خامسًا: من مهام الرسول صلى الله عليه وسلم التزكية، وهي تخلية النفوس من الرذائل وتحليتها بالفضائل، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" وقال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا". وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر التزكية على النفوس وقارن بينها وبين التَّدْسِيَةِ فقال في الحديث الذي أخرجه مسلم عن حذيفة بن اليمان "تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا ، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعرِفُ مَعروفًا ، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه". رواه مسلم رقم (231).

إن تزكية النفوس تعصم أصحابها من انتهاك الحرمات، وتوقفهم عند حد الاستقامة كما قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ".

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...