مصرفي: لا بد أن تصاحب الخطوة حملات توعوية وتعريفية
إيجاد آلية رقمية وفقاً للمتطلبات الأمنية الضرورية
اقتصادي: الجهاز المصرفي يعاني اختلالات كبيرة ومعظم الكتلة النقدية خارجه لهذه الأسباب
تقرير ــ ناهد محمد
"رحلتنا معاك مستمرة والجاي دائماً أحلى.. حدّث بياناتك في أقرب فرع وكمل معانا المشوار".
فوجئ عملاء بنك الخرطوم عند فتح تطبيق «بنكك» بهذه العبارة التحذيرية، المغلفة بطلب تحديث البيانات الشخصية الخاصة بالعميل، وإلا ينقطع مشوار تقديم الخدمات المصرفية ما بين البنك والعميل.
القرار، أو الطلب، الذي أمهل العملاء شهرين لتحديث البيانات، لم يكن وليد اللحظة أو خاصاً بالبنوك السودانية، بل هو خطوة معمول بها عالمياً، ترتبط بمتطلبات الامتثال، خاصة تلك المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وغيرها من الجرائم المحلية والعابرة للحدود، وهذا ما أكده المصرفي أيمن أحمد محمد.
اعرف عميلك
وقال في حديثه لـ«صوت الأمة» إن الهدف من الخطوة هو تحديث بيانات العملاء الأساسية، بحسب متطلبات «اعرف عميلك» في كل البنوك، وليس فقط عملاء بنك الخرطوم، مشيراً إلى أن هذه المتطلبات معمول بها في كل الدول، وزاد الاهتمام بها دولياً عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، لارتباطها المباشر بمتطلبات الامتثال، خاصة تلك المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وغيرها من الجرائم المحلية والعابرة للحدود.
وأشار إلى أن التوجيه بتحديث البيانات صدر من بنك السودان المركزي في إطار دوره الرقابي ومتطلبات تعزيز الثقة في النظام المصرفي السوداني، ما سيساعد على تسريع اندماجه في النظام المصرفي العالمي.
ووصف أيمن الخطوة بالإيجابية، غير أنه نادى بضرورة أن تصاحبها حملات توعوية وتعريفية من قبل المصارف، مع توضيح الخطوات بصورة واضحة، منعاً للازدحام في الفروع، بما يحفظ كرامة الناس ويراعي كبار السن والضعفاء.
وقال: "قبل تنفيذ الخطوة كان يجب إيجاد آلية رقمية وفقاً للمتطلبات الأمنية الضرورية".
شرط تعسفي
وأشار الخبير الاقتصادي كمال كرار إلى أن توجيه البنك المركزي في الثلاثين من يوليو ألزم المصارف بتحديث بيانات جميع العملاء، مع اتجاه إلى إيقاف وتجميد الحسابات التي لا يتم تحديث بياناتها خلال المهلة المحددة، إلى جانب تفعيل أنظمة المراقبة الذكية.
واعتبر مطالبة البنوك للعملاء بالتوجه إلى أقرب فرع شرطاً تعسفياً وغير مقبول، في ظل حرب تدور والملايين في حالة نزوح ولجوء، كما أن معظم فروع البنوك مدمرة بسبب الحرب.
وقال إن بنك السودان ومعظم البنوك تستغل حالة الحرب لتمرير أجندة محددة.
أجندة سياسية
وانتقد كمال كرار القرار، وقال إنه ليس لمكافحة غسيل الأموال أو ما شابه، بل يحمل أجندة سياسية، ربما يكون القصد منها محاصرة بعض الحسابات أو إغلاقها بحجة عدم التحديث، خاصة أن السلطة نفسها منعت تجديد وثائق بعض المعارضين وآخرين، وهؤلاء هم المقصودون بالقرار.
ونوه إلى أن الجهاز المصرفي يعاني اختلالات كبيرة، ومعظم الكتلة النقدية خارجه بسبب فقدان الثقة وتآكل قيمة الجنيه، وقطع بأن هذا النوع من القرارات يقدح في مصداقية البنوك السودانية ويزيد من حالة فقدان الثقة.
وقال: «إن كانت هنالك مؤسسات دولة وقانون، ربما كانت آلاف الدعاوى القانونية قد قُيدت ضد البنوك بسبب هكذا إجراء».
وبالتالي، فالقرار عبء إضافي على العملاء، لكنه عبء مقصود لصالح أجندة سياسية معينة.
وقال المصرفي وليد دليل إن السياق يوضح الصورة جيداً، حيث إن بنك الخرطوم أعلن أن التحديث مطلوب حصراً للحسابات المفتوحة، وأنه مجاني بالكامل، لكنه لا يتم إلا عبر الفروع فعلياً؛ لا رابط إلكترونياً ولا تحديث داخل تطبيق «بنكك» نفسه، بل إن البنك حذّر صراحة من أي جهة تدّعي تقديم الخدمة عبر التطبيق أو رابط خارجي.
عمليات الاختراق
وحول المهلة الممنوحة من بنك السودان المركزي، التي تمتد من 30 يوليو حتى 30 سبتمبر، مع تجميد أي حساب لا يُحدّث خلالها، قال دليل: من زاوية مكافحة الفساد وغسل الأموال، فإن الخطوة مبررة فعلاً وليست مجرد إجراء شكلي، فهي تأتي في سياق ضوابط KYC/AML الدولية التي لا مفر منها لأي مصرف مرتبط بالنظام المالي العالمي.
وأضاف أن سبباً محلياً عاجلاً يضاف إلى ذلك، حيث تعرضت آلاف حسابات عملاء بنك الخرطوم لعمليات اختراق وسحب أرصدة مؤخراً، وهو ما يجعل تحديث بيانات الاتصال والهوية ضرورة أمنية مباشرة، لا رفاهية تنظيمية؛ فالحساب الذي تتضمن بيانات الاتصال فيه معلومات قديمة أو غير دقيقة يكون أسهل اختراقاً وأصعب استرداداً.
أما من زاوية العبء على العملاء، فأوضح دليل أن الخطوة تمثل مشكلة حقيقية ولا يمكن تجاوزها، خاصة أن اشتراط الحضور الفعلي للفرع، مع عدم توفر بديل رقمي داخل التطبيق ذاته، يضع عبئاً غير متكافئ على فئتين تحديداً: المقيمين خارج السودان، والذين لا يستطيعون الوصول إلى فرع قريب لأسباب أمنية أو جغرافية داخل البلاد.
وقال إن البنك أشار إلى أنه يعمل على ترتيبات خاصة لتمكين المغتربين من التحديث، لكن هذه الترتيبات لم تُعلن تفاصيلها بعد حتى تاريخ اليوم، وهذا الغموض ذاته هو ما يحوّل قراراً مبرراً أمنياً إلى مصدر قلق وارتباك واسع، كما ظهر فعلاً في ردود الفعل المتباينة على الرسالة حين وصلت للعملاء دون سياق كافٍ.
وطالب وليد دليل بإعلان فوري وواضح لآلية تحديث بديلة للمقيمين بالخارج، سواء عبر توكيل رسمي موثّق من السفارات والقنصليات، أو عبر مكالمة فيديو موثقة، كما تفعل مصارف أخرى في المنطقة لأغراض KYC عن بُعد، بدلاً من ترك الأمر معلقاً بعبارة «سيتم الإعلان قريباً»، في منتصف مهلة لا تتجاوز شهرين.



التعليقات (0)
جاري التحميل...