معظم المزارعين فقدوا أصولهم الإنتاجية
البنك الزراعي يمول محفظة الموسم بـ "3" تريليونات جنيه
تراجع معدلات الأمطار بأكثر من 50% في بعض المناطق
"4" ملايين فدان مستهدفة في النيل الأزرق
تقرير ـ ناهد محمد
تشكل الزراعة في السودان العمود الفقري للأمن الغذائي، كما تمثل مصدرًا رئيسيًا لخزينة الدولة من عائدات صادر المحاصيل، ولا سيما المحاصيل النقدية والاستراتيجية.
ومع تباشير الخريف ودخول البلاد الموسم الزراعي 2026/2027، تتجه آلاف الأسر إلى الحواشات والمشروعات الزراعية، إذ لا تمثل الزراعة في السودان مجرد موسم إنتاجي، وإنما مصدرًا لـ"قمة العيش" وحرفة يعتمد عليها أكثر من 65% من السكان، فضلًا عن كونها موردًا مهمًا للنقد الأجنبي وخط دفاع رئيسيًا في مواجهة شبح المجاعة ونقص الغذاء.
ويأتي الموسم الحالي في ظل ظروف بالغة الصعوبة، إذ لا تزال تداعيات الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على القطاع الزراعي، من نزوح المزارعين، وتدمير المخازن، ونهب وسرقة المحاصيل والتقاوي والمبيدات والآليات الزراعية، إلى جانب ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، بما فيها الوقود والأسمدة.
ولا تقف التحديات عند آثار الحرب، إذ تلقي التقلبات المناخية بثقلها على الموسم، مع مخاوف من تأثير ظاهرة "النينيو"، وتوقعات بتراجع معدلات الأمطار أو تأخرها في عدد من مناطق الإنتاج.
"31" مليون فدان مستهدفة
وقالت مدير عام الإنتاج الزراعي بوزارة الزراعة، المهندسة فاطمة يوسف الأمين، إن الخطة التأشيرية تستهدف زراعة نحو 22 مليون فدان في القطاع المطري، من أصل مقترح يبلغ 22 مليونًا و300 ألف فدان، إلى جانب 3 ملايين و48 ألف فدان في القطاع المروي.
وأوضحت أن جزءًا كبيرًا من محليات ولاية شمال كردفان أُدرج ضمن الخطة، إذ تبلغ المساحة التأشيرية المستهدفة في الولاية نحو 5 ملايين فدان.
وأشارت إلى أن الخطة التأشيرية كانت تستهدف في بدايتها زراعة نحو 25 مليون فدان، قبل أن ترتفع المساحة المستهدفة إلى 31 مليون فدان بعد دخول مساحات شمال كردفان ضمن الخطة.
"النينيو" يهدد الموسم
وأوضحت فاطمة أن الموسم الزراعي واجه تهديدًا جراء ظاهرة "النينيو"، في ظل توقعات بتأخر الأمطار وتراجع معدلاتها، ما دفع الوزارة إلى التركيز على القطاع المروي وتوفير مياه الري، إلى جانب تنظيف الترع والقنوات.
وأشارت إلى تأهيل أربع طلمبات من أصل ست في مشروع الرهد الزراعي، عبر توفير محول لمعالجة مشكلة الري، إلى جانب إحلال واستبدال طلمبتين في مشروع السوكي، الذي يدخل الموسم الحالي للمرة الأولى منذ خمس سنوات.
وفي ما يتعلق بالتقاوي، قالت فاطمة إن القطاع الزراعي يعاني نقصًا كبيرًا في التقاوي المعتمدة بسبب الخسائر التي لحقت به جراء الحرب، مشيرة إلى أن الموسم السابق شهد تراجعًا في زراعة التقاوي، خاصة في الجزيرة وسنار وشمال كردفان.
وأضافت أن الإنتاجية كانت ضعيفة، كما أن ميزانية الطوارئ لم توفر التقاوي لصغار المزارعين، الأمر الذي دفع المنظمات إلى تقديم دعم للتقاوي خلال الفترة السابقة في ظل غياب ميزانية للتنمية.
وأوضحت أن دعم المنظمات للتقاوي توقف خلال الموسم الحالي، بالتزامن مع تداعيات الحرب، وما ترتب عليها من نقص في الوقود وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما أدى إلى عجز المزارعين عن تحضير كامل المساحات المستهدفة.

وأشارت إلى أن معظم المزارعين فقدوا أصولهم الإنتاجية بسبب الحرب، بما في ذلك التراكتورات والمخازن والمبيدات والتقاوي.
"3" تريليونات جنيه للتمويل
ورغم التحديات التي واجهت المزارعين في بداية الموسم، قالت فاطمة إن الموسم شهد حراكًا في عمليات الزراعة، وإن التمويل ظل يمثل المعضلة الرئيسية.
وأوضحت أنه جرى تكوين محفظة تمويلية عبر البنك الزراعي، بدعم من بنك السودان المركزي ووزارة المالية، تبلغ قيمتها 3 تريليونات جنيه، ساهم البنك المركزي فيها بنسبة 20%، إلى جانب مساهمات من البنوك.
وأشارت إلى أن البنك الزراعي موّل مرحلة التحضيرات للزراعة بمبلغ 600 مليار جنيه، كما جرى تمديد فترة السماح لتمويل المرحلة الأولى من 31 أغسطس إلى 15 سبتمبر، وبدأت التحضيرات للمرحلة الثانية من التمويل الخاصة بمرحلة "الكديب".
وأكدت أن الوضع مستقر، وأن المشكلات تتم معالجتها أولًا بأول، خاصة ما يتعلق بالتقاوي، مشيرة إلى وجود تحديات في توفير تقاوي قطن محسنة وجيدة.
وتعهدت بتكثيف الجهود لتوفير التقاوي المعتمدة للمحاصيل النقدية، خصوصًا القطن.
الأمطار والتغير المناخي
ويرتبط نجاح الموسم الزراعي في السودان، بصورة مباشرة، بكميات الأمطار وتوقيتها، في وقت باتت فيه التغيرات المناخية تمثل تحديًا متزايدًا للزراعة المطرية.
وقال الخبير البيئي الدكتور التجاني الأصم لـ"صوت الأمة" إن المتغيرات البيئية العالمية أدت إلى تغيرات مباشرة في الحزام المطري بالسودان، من بينها تأخر موسم الأمطار وتغير نمطه لفترات تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.
وأشار إلى أن هذه التغيرات أدت إلى اختلال التوازن البيئي وتذبذب مناطق الزراعة المطرية المعروفة لدى السودانيين بـ"العين".
وأوضح أن معدلات الأمطار تراجعت بأكثر من 50% في بعض المناطق مقارنة بالعام الماضي.
موجات جفاف
وأشار الأصم إلى أن تأثير التغيرات المناخية يتضح في انخفاض معدلات الأمطار وظهور موجات الجفاف خلال الموسم الزراعي الحالي، مبينًا أن ذلك يرتبط بعدد من العوامل، من بينها ظاهرة "النينيو"، التي تسهم في رفع درجات الحرارة إلى مستويات أعلى من معدلاتها الطبيعية، بما يزيد من معدلات تبخر المياه المتاحة.
ولفت إلى اضطراب توزيع الأمطار، موضحًا أن ولايات الإنتاج الرئيسية، مثل القضارف وسنار وكردفان ودارفور، شهدت انخفاضًا حادًا في معدلات الأمطار، إلى جانب فترات جفاف طويلة وغير معتادة خلال شهري يوليو وأغسطس، وهما من أشهر موسم الأمطار.
وأشار إلى أن التغير المناخي يظهر بصورة متطرفة ومتباينة، إذ تواجه مناطق الإنتاج الزراعي جفافًا حادًا يهدد الزراعة المطرية، بينما تشهد مناطق أخرى محدودة، خاصة أطراف الولاية الشمالية ونهر النيل، أمطارًا قياسية ومفاجئة، إلى جانب تساقط البَرَد وتوقعات بسيول كبيرة وشديدة.
وقال إن تأخر الأمطار أدى إلى العجز عن حرث واستصلاح الأراضي وزراعة التقاوي في مواعيدها، ما أسهم في تقليص المساحات المجهزة للزراعة هذا العام.
وحذر من تراجع إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، خصوصًا الذرة والدخن، التي تعد من أهم المحاصيل الغذائية في مناطق الزراعة المطرية.
كما نبه إلى انحسار الغطاء النباتي وتضرر المراعي الطبيعية، داعيًا الجهات المختصة إلى وضع هذا الأمر ضمن أولوياتها.
وتوقع الأصم هطول أمطار غزيرة خلال شهر سبتمبر، إلى جانب تدفقات مرتفعة للمياه عبر الأودية، داعيًا وزارة الزراعة والوزارات المعنية في الولايات إلى الاستعداد وتجهيز مواعين حصاد المياه تحسبًا لذلك.
استقرار نسبي في النيل الأزرق
من جانبه، قال الأمين العام لتنظيم القلعة النوعي للإنتاج الزراعي والحيواني بإقليم النيل الأزرق، عبد الحميد آدم مختار، إن الموسم الزراعي الصيفي والمطري واجه تأخرًا في الأمطار خلال بدايته، لكنه شهد لاحقًا استقرارًا في معدلات الهطول، خاصة في ولاية النيل الأزرق.
وأشار إلى انتظام الأمطار خلال أغسطس في معظم مناطق الزراعة المطرية، بما فيها القضارف وسنار وجنوب النيل الأبيض.
وأوضح أن عمليات تمويل الموسم الزراعي انتظمت عبر البنك الزراعي، إلى جانب بعض البنوك، من بينها مصرف المزارع التجاري وبنك النيل، فضلًا عن دخول بعض الشركات في عمليات التمويل.
وأضاف أن مساحات مقدرة جرى زراعتها عبر التمويل المصرفي والتمويل الذاتي والشراكات الاستراتيجية مع بعض الشركات، مؤكدًا أن الموقف حتى الآن "مطمئن".
وأشار إلى أن محاصيل الأمن الغذائي، وعلى رأسها الذرة، شهدت زراعة مساحات مقدرة، فيما تتواصل عمليات الزراعة.
وكشف أن المساحة المستهدفة في النيل الأزرق تبلغ نحو 4 ملايين فدان، مشيرًا إلى زراعة أكثر من نصف المساحة المستهدفة، ومتوقعًا اكتمال زراعة كامل المساحة بنهاية أغسطس ومطلع سبتمبر.
ارتفاع الأسعار يضغط على المزارعين
وأوضح مختار أن مدخلات الإنتاج، بما فيها الوقود والتقاوي والمبيدات، متوفرة في الأسواق، لكن ارتفاع أسعارها يمثل عقبة أمام المزارعين.
وأكد جودة الإنبات، خاصة لمحصولي الذرة والسمسم، بفضل جهود وزارة الزراعة والبنك الزراعي ومعالجة عدد من المعوقات، مشيرًا إلى أن السياسة التمويلية للبنك الزراعي كانت محفزة ومشجعة للمزارعين رغم التأخير الذي صاحب عمليات التمويل.
وأشار إلى أن مرحلة "الكديب" تواجه تحديات، لكونها تحتاج إلى أيدٍ عاملة وسيولة نقدية، مبينًا أن السيولة غير متاحة حاليًا لدى فرع البنك الزراعي في النيل الأزرق، وهو ما اعتبره من المعوقات التي قد تشكل خطرًا على الموسم وتؤدي إلى انتكاسة.
تحديات الحصاد
ونبه عبد الحميد إلى أن مرحلة الحصاد قد تواجه عددًا من المشكلات، خاصة في ما يتعلق بالحصاد الآلي، رغم وجود بشريات بتمويل الحاصدات الآلية، لا سيما حاصدات القطن، عبر البنك الزراعي ومصرف المزارع التجاري.
وأوضح أن نقص العمالة، إلى جانب زراعة مساحات كبيرة، يجعل الاعتماد على الحصاد اليدوي أمرًا صعبًا، داعيًا إلى اتخاذ ترتيبات مبكرة وتوفير التمويل والتسهيلات اللازمة لتأمين الحاصدات الآلية.
وأكد أهمية تأمين الموسم الزراعي، داعيًا إلى مزيد من التنسيق والترتيب بين الأجهزة المعنية لضمان حماية الموسم منذ مرحلة التحضير وحتى الحصاد.



التعليقات (0)
جاري التحميل...