طاهر المعتصم

لا تحلموا بعالم سعيد إذا سمعتم أن تغييرًا وزاريًا وشيكًا سيطيح بمعظم وزراء "حكومة الألم". فالسودانيون جُرّب عليهم هذا الفيلم من قبل، ويعرفون أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغييرًا في السياسات، خصوصًا عندما يبقى رئيس الوزراء في موقعه، وتظل مفاتيح القرار الحقيقي خارج مجلس الوزراء.

مصادر سودانية تحدثت إلى "الجزيرة" تقول إن الفترة المقبلة ستشهد أول تعديل في حكومة كامل إدريس، وإن التعديل سيكون واسعًا ويشمل معظم الوزارات، مع إجراء مشاورات مع الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، وسط توقعات بتغيير بعض وزرائها ونقل آخرين إلى مواقع جديدة. أما كامل إدريس، فسيظل في منصبه إلى حين استكمال الحوار السوداني.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: مَنْ سيغادر ومَنْ سيأتي؟ بل: لماذا فشلت الحكومة أصلًا؟

لقد قال الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام عدد من الإعلاميين إنهم غير راضين عن أداء الحكومة. وهذه شهادة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالحكومة التي لا تحظى برضا من عيّنها أو يقف على رأس السلطة، لا تحتاج فقط إلى تعديل وزاري، بل إلى مراجعة كاملة لطريقة تشكيلها وإدارة الدولة من خلالها.

والأغرب أن السلطة تعود إلى صيغة سبق أن تخلت عنها. فبعد إلغاء الإشراف على الوزارات في مايو 2025، عاد الجنرالان شمس الدين كباشي وإبراهيم جابر للإشراف على القطاعات الوزارية. وإذا كان الوزراء يحتاجون إلى جنرال فوق كل قطاع كي يتحركوا، فما الحاجة إلى مجلس وزراء أصلًا؟

لقد كانت ولادة حكومة كامل إدريس متعثرة لأشهر، وانتهت إلى تركيبة لم يستطع رئيس الوزراء نفسه فرض خياراته فيها. ظهرت أزمة إخراج جبريل إبراهيم من المالية، وبلغت الخلافات حدَّ مهاجمة أحد قادة الحركات المسلحة الحليفة للجيش لرئيس الوزراء حتى أثناه عن رأيه. ثم ظهرت قصص تعيين بعض أعضاء مكتبه في بعثات خارجية ومجالس إدارات شركات، والإجازات المتكررة في سويسرا، فضلًا عن اضطراره إلى منح حقيبتين للمؤتمر الوطني المحلول.

وفي الخارج، لم تكن الحصيلة أفضل: تعثر في السعودية، وهتافات في أسمرا، ومشاهد القاهرة التي لم تضف كثيرًا إلى صورة رئيس وزراء يقود دولة في حرب.

والأهم من كلِّ ذلك أن الوزارة، في واقع الأمر، لا تملك كثيرًا من أدوات الحكم. لا تسيطر على صادرات الذهب، ولا تتحكم فعليًا في واردات المحروقات، ولا تملك الكلمة الأخيرة في ملف السلام، فيما تتوزع مراكز القرار بين المؤسسة العسكرية والحلفاء والواجهات السياسية.

لذلك، لا تحلموا بعالم سعيد إذا سمعتم بتغيير وزاري. فالبلاد لا تحتاج إلى "تعديل" في سكرتارية الحرب، وإنما إلى تغيير في طريقة إدارة الدولة نفسها. تغيير الوزراء من دون تغيير قواعد اللعبة لن يصنع حكومة أقوى، بل سيمنح الأزمة أسماء جديدة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...