محمد الأمين عبد النبي

كشف تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الصادر في 15 يوليو 2026م، أن الصراع في السودان أصبح منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على ما يُعرف بـ"اقتصاد الحرب". ويُقصد بهذا المفهوم تحوّل الموارد، وطرق التجارة، وسلاسل الإمداد، إلى أدوات لتمويل العمليات العسكرية، بحيث تصبح الحرب نفسها نشاطًا اقتصاديًا يولّد مصالح وشبكات تستفيد من استمرارها.

وحذّر التقرير من أن سيطرة أطراف النزاع على الذهب، والصمغ العربي، والمعابر التجارية، ومناطق الإنتاج، أوجدت ديناميكية تجعل الصراع "يتغذى على نفسه"، إذ تُستنزف ثروات البلاد، بينما تتراجع فرص السلام.

وربط التقرير بصورة وثيقة بين تفكيك بنية اقتصاد الحرب وإمكان تهيئة البيئة اللازمة لإنهاء النزاع. لذلك دعا إلى تشديد الرقابة الدولية على سلاسل التوريد، وتعزيز آليات تتبّع منشأ السلع السودانية، ومحاسبة شبكات التهريب والوسطاء والشركات التي تسهم في تمويل الحرب، مع حماية المنتجين والمدنيين الذين يعتمدون على هذه الموارد في كسب معيشتهم.

ويمنح هذا الطرح بُعدًا اقتصاديًا جديدًا لجهود السلام، إذ يفترض أن تجفيف مصادر التمويل، ورفع كلفة استمرار الحرب، قد يشكلان مدخلًا أكثر فاعلية لدفع الأطراف نحو التفاوض.

وفي إطار محاصرة هذه الديناميكية، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات متدرجة استهدفت قادة من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، إلى جانب شركات وشبكات مالية اتُّهمت بتمويل العمليات العسكرية أو تسهيل الحصول على السلاح. وتضمنت هذه العقوبات تجميد الأصول، وحظر السفر، ومنع التعاملات المالية، وإدراج شركات مرتبطة بقطاعَي الذهب والصناعات العسكرية على قوائم العقوبات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقويض القدرات الاقتصادية للطرفين، والحد من مصادر تمويل الحرب، مع تحميل المسؤولين قدرًا من المساءلة السياسية والاقتصادية.

وعلى الرغم من ذلك، ما زال تأثير العقوبات محدودًا، إذ لم تُفضِ إلى تغيير جوهري في حسابات الأطراف المتحاربة. ويعود ذلك إلى استمرار وجود مصادر تمويل بديلة، وشبكات تجارة وتهريب مرنة عابرة للحدود، ودعم خارجي، فضلًا عن غياب توافق دولي وآليات فعالة لإنفاذ العقوبات.

وإذا كان اقتصاد الحرب هو الوقود الذي يُبقي الصراع مشتعلًا، فإن انهياره قد يصبح نقطة التحول الحاسمة نحو السلام. فمع تراجع عائدات الذهب، وتشديد الرقابة على التهريب، وتعطيل شبكات التمويل، ترتفع كلفة استمرار القتال، وتنخفض قدرة الأطراف على تمويل عملياتها العسكرية. وفي هذه الحالة، يصبح الحل السياسي أقل كلفة وأكثر جدوًى من مواصلة الحرب، خاصة إذا ترافق ذلك مع ضغوط دولية متزايدة تسهم في دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات.

ومع ذلك، لا يعني انهيار اقتصاد الحرب، تلقائيًا، نهاية الحرب، إذ تُظهر تجارب نزاعات أخرى أن بعض الأطراف قد تلجأ إلى تصعيد سلوكيات أكثر راديكالية، مثل النهب، والابتزاز، والسيطرة القسرية، لتعويض خسائرها المالية الكبيرة. وبالتالي، فإن تعطيل اقتصاد الحرب يمثل شرطًا حيويًا لتهيئة فرص السلام، لكنه يحتاج إلى أن يقترن بمسار سياسي جاد، وضمانات إقليمية ودولية، حتى يتحول الضغط الاقتصادي إلى حلٍّ سياسي مستدام، بدلًا من أن يؤدي إلى إطالة أمد الفوضى.

وفي الوقت ذاته، كلما تضاءلت فرص تحقيق نصر عسكري حاسم، تراجعت الجدوى الاقتصادية لاستمرار الحرب. وعندما تصل المواجهة إلى حالة استنزاف متبادل، يصبح الإنفاق على القتال أعلى من العائد السياسي أو العسكري المتوقع. وعند هذه النقطة، يتحول الاقتصاد من عامل يموّل الصراع إلى عامل يفرض قيوده عليه، فتتراجع قدرة الأطراف على الاستمرار في الحرب، ويغدو التفاوض خيارًا عقلانيًا. لذلك، فإن استحالة تحقيق نصر عسكري حاسم، مقترنة بانهيار اقتصاد الحرب، تعني تغيّر معادلة الكلفة والعائد، وتخلق بيئة يصبح فيها السلام أقل كلفة وأكثر قابلية للتحقق من استمرار الحرب.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...