د. منى الفاضل
من هو الشخص المُتعلم؟ هو الشخص الذي يكتسب معارف ومهارات وخبرات من خلال الدراسة أو التدريب أو ممارسة ذلك المنهج التعليمي الذي اكتسبه، بهدف تطوير قدراته وتحقيق أهدافه الشخصية والعملية والمهنية، والمُتعلم هو محور العملية التعليمية.
من هو المُثقف؟
المُثقف هو الشخص الذي يمتلك معرفة ووعيًا واسعًا في مجالات مُختلفة، ويستطيع التفكير، والنقد، والتحليل، ويستخدم معرفته لفهم المجتمع والواقع والمُساهمة في تطويره، ولا يُشترط أن يكون المُثقف حاصلًا على شهادة جامعية، فالثقافة ترتبط بالمعرفة والوعي وطريقة التفكير... إلى هنا انتهينا من تعريفهما.
من خلال التعريف السابق للمتعلم والمثقف اتضح لنا جليًا الفرق بينهما، بيد أننا ما زلنا نذكر الاثنين في كل وقت يُريد الكثيرون من بيننا الحديث عن المثقفين ومدى تأثر مجتمعنا وأحوالنا بهما، أصبحا طريقًا وخط سير لمُجتمعنا وسياسة بلادنا، مُرتبطًا بهما ارتباطًا وثيقًا لدرجة غريبة ولشخصيات معينة!! وكأنما العلم توقف لديهم، والثقافة لم تُطرح خلافهم على أرض السودان العذراء التي لم تُمس عظمتها؛ مهما حاولوا تدنيسها بأفعالهم واعتدائهم غصبًا عليها لإشانة سُمعتها في عين شعبها المُغيّب دائمًا عن كل شيء، وفي أعين العالم من حولها حتى تكون لقمة سائغة لهم.
احترامي لتلك الطبقتين المذكورتين في عنواننا اليوم، ولكن عندما يصفهم الجميع أنهم مُلمّون بهذه الميزات دون معرفة حقيقية بهم!! يجعل في أذهاننا تساؤلات لابد من طرحها بصدق، إن افترضنا أن كل المتعلمين السودانيين بشقيهما الرجال والنساء، هم أصحاب ثقافة بنفس قدر تعليمهم وتفتحهم الذهني، إذًا لماذا لم يحملوا السودان جميعه في تصدرهم للمشهد التعليمي والثقافي؟ بمعنى ألمُتعلم إن كان مُثقفًا يستطيع أن يحمل السودان من كل جهاته شرقًا منتهيًا في الغرب، وشمالًا منتهيًا في الجنوب، دون استنقاص شبرًا في تضمين ذلك علمًا وحسب تخصصه ومنهجه، وثقافة وتنوير كذلك بكل شبر فيه مُرتبطًا بعلمه الذي يُقدمه، حتى يجعل رسالته الثقافية والعلمية مُكتملة، تتناول قضية أو معلومة علمية صحيحة يربط فيها كل جزء في أرضنا؛ وبالتالي يصبح جميعنا مُلمين بأخبار بلادنا ودون جهل فيها، وجعل معلوماتنا مُنتشرة كذلك عالميًا، فالعلم الذي لا يُساعد في نشر ثقافة مجتمعك ووطنك هو علم ناقص، والدليل على نقصه، عندما تجد شخصًا في الميديا المفتوحة يتحدث في هذا العصر الذي نعيشه من تطور تكنولوجي أن العالم لا يعلم شيئًا عن السودان ولا يعرفوننا!! فكيف اعتبرنا أن مثقفي بلادي الذي نُكرر أسماءهم ومقولاتهم كأنها كتاب منزل! ونعتبر أن هؤلاء لم تُنجب حواء السودان بعدهم؟ بينما تمحوروا حول أنفسهم وتوجهاتهم العقائدية والحزبية والقبلية والمناطقية، وجعلوا منها سودانًا منحصرًا في ما نشروه من أفكار وقصص وروايات، ومعلومات ضئيلة عن بلد شاسع مُتعدد الشعوب والثقافات، خلقت مُشكلات حقيقية هي سببًا كبيرًا في استمرار بلادنا فوق السبعين عامًا من الاستقلال وهو في حروب وخلافات ونُكران هوية وتجرد مُخجل، وللأسف حتى من نفس هؤلاء المُتعلمين المُثقفين الذين صاغوا السودان في صفحات سوداء مُغلقة، جعلت من هذه الصياغة تعنصرًا وخلافًا واختلافًا وتشابكًا لم تجد له كل مؤتمرات وجلسات صُلح واتفاقيات حلًا واضحًا أو هوية مُحددة برغم وضوحها، وخيانة وغدر أصبحت شيمة تعاملاتنا الوطنية، وحوارات غادرة تُقام باستهبل سياسي، فيطمس الشخصية السودانية في وحل الضياع... وجميعه بسبب تسميات زائفة، وأماكن شاغرة من الوعي، يملأها عدد من شخصيات على مرّ كل تلك السنوات والحقبات، جعلت السودان مثل اللغز!! يبحث عن عبقري ليحله!.
وإن نظرنا برؤية بسيطة عامة لكل تلك الشخصيات الواقعية في مصالحها الخاصة _ وزائفة في وطنيتها المُعلنة!! فالوطنية لا تعني أن تستغل شهادتك في اللعب بالعقول وترويضها تجاه فكرك الذي تُريده ونسيان الوطن!! الوطنية لا تعني أن تملأ الإعلام والميديا بثقافات مُختارة بنسيج فكرك (المُؤطر) في عصبيتك لتوجهك، قبيلتك، عائلتك، نمطك المُعتاد، كل تلك تشق الوطن والصف وتكسبه الوبال؟
العلم لا يُمكنك توظيفه دون ربطه بثقافة الشعوب في كل مجالاته وإدراجها معك كي تنشر ثقافتها دون استثناء! وتقييمها، وقبل كل ذلك استصحاب الإنسانية المُشتركة التي تجمعنا جميعًا والوطن الذي ضمّنا بحضن دافئ، ثقافتنا المُزيفة المنشورة؛ جعلت من حضن هذا الوطن جليدًا قارسًا لفظ أبناءه إلى العالم والشتات والغربة!! وجعل كلمة وطن تعني للكثير المصلحة الخاصة والضمير الغائب والمكان المُنفّر... وكل ذلك جعل عدم المعرفة التامة بكلمة وطن!! هو سبب للمشكلات التي نعيشها، وخلق وجود طبقة مُتعلمين ومُثقفين لم يحملوا الوطن بأكمله، أو حمل مشكلاتنا بأمانة وصدق وضمير وعلاجها للجميع دون الفرز والانحياز المُخجل!! عثرات وحواجز حالت بيننا وبين بعضنا حتى أصبحنا نميل للغُرباء ونكره بعضنا... إن التضاد الموجود في شخصية المُثقفين والمُتعلمين السودانيين كان أكبر نغمة علينا، وصار أكبر مُصيبتنا، ولا زلنا نُكرر في حديثهم من غرزوا معاني خاطئة في أذهاننا عن الوطن كان لها اليد في العبث بنا وبالعقلية السودانية البسيطة التي ضاعت أعمار الكثير منهم في انتظار وطن ولم يجدوه!!!
واستثناء بعضهم الذي ضم الوطن في علمه وثقافته، ولكن هؤلاء لا يُردد حديثهم لأنهم صادقين، والصدق البين أصبح أكبر جريمة للأسف.
ودُمتم..




التعليقات (0)
جاري التحميل...