د. منى الفاضل
مما لا شك فيه أن التعليم واحد من الحقوق والأساسيات للفرد، وواحد من واجبات الحكومات تجاه المواطن ينتفع به لنفسه وللوطن ولمستقبل كل الدولة. معنى ذلك تطور الدولة وتقدُمها يرتبط ارتباطًا وثيقًا لا فِكاك منه بالتعليم، لذلك يجب وضع كل المقومات المساعدة لاستمراره من دون إنقطاع لسبب بسيط جدًا، أن كل شخص أقبل على هذه الدنيا، أبسط حقوقه "التعليم، المدارس، المُعلمون"، بل وكل البنية والبيئة المُكملة لرسالة العلم والتعليم بشكل مُرتب في كل عام جديد.
المراحل التي مرَّ بها التعليم في السودان:
التعليم في السودان منذ العهد التركي والاستعمار الإنجليزي:
كان التعليم في السودان في عهد محمد علي إسلاميًا دينيًا (الخلاوي)، وهي المكان الذي يُعلّم فيه الفقهاء والعُرفاء، الحيران مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، وذلك مُنذ الفتح الأول لحملة عبد الله ابن أبي السرح وقيام المماليك والسلطنات الإسلامية، في سنار ودارفور... وغيرهما. كان هنالك علماء محترمون مطّلعون على مجموعة من كُتب الفقه الإسلامي والحديث والأدب والمذاهب، وكانوا أهل ذكاء، فراسة، حصافة، لغة وبيان. وكانت أكثر كُتبهم مأخوذة عن مؤلفات علماء المغرب الأقصى وتونس، إذ كان بين ممالك أفريقيا الشمالية والسودان صلات تجارية ساعدت على هجرة نفر كريم من العلماء والكُتاب، وكان للصوفية شأن عظيم في إثراء حبِّ الله والرسول (صلى الله عليه وسلم)، بالمديح والقصائد النبوية.
وكان علماء السودان يعطون الدروس في دورهم وكان طلبتهم قليلون جدًا، ودراستهم غير منتظمة نسبة للظروف المحيطة بهم في ذلك الزمان.
وعندما غزا محمد علي باشا السودان (الفتح التركي) ، بدأ بإنشاء المعسكرات والمدن الحضرية وخاصة مدينة الخرطوم، وإقامة دور الحكومة، واستلزمت هذه المدنية التي تم بُناؤها حينها، إنشاء مدرسة أولية بجانب الكتاتيب والصغرى، وكان ناظرها وقتها المصري رفاعة رافع بك الطهطاوي الذي تم نفيه إلى السودان، فعرف السودان المدارس النظامية منذ ذلك الحين، إلى أن قامت الثورة المهدية فجعلت التعليم وقفًا على حفظ القرآن الكريم وراتب المهدي، وانتشرت حلقات وخلاوى التعليم الديني.
وفي فترة الاستعمار والحكم الإنجليزي في السودان، بدت الحاجة مُلحة وقوية إلى إعادة التعليم المدني. على أن الحكومة الإنجليزية رأت أن يكون التعليم مقصورًا على تلبية الحاجة إلى صغار الموظفين من كتبة ومحاسبين ومحصلين للعوائد ومترجمين وصُناع حرفيين بمصالح السكك الحديدية. مع بقاء الخلاوي المنتشرة في جميع أنحاء السودان لتعليم مبادئ القراءة والكتابة والحساب.
منذ سنة ١٨٩٩م، بدأت حكومة الاستعمار الإنجليزية الجديدة في السودان، بفتح بضع مدارس أولية وفي سنة ١٩٠٢م، فُتحت المدرسة التعليمية باسم كلية غوردون في الخرطوم، تخليدًا لذكراه. وكان ذلك تنفيذًا لفكرة اللورد كتشنر الذي أرادها أن تكون مدرسة ثانوية متوسطة، وهي نوع خاص من المدارس، فهي ليست كلية بالمعنى المعروف في نظام الكليات، وليست مدرسة ثانوية إلى الحد الذي نفهمه اليوم من الدراسة الثانوية، ثم زادت الحكومة عدد المدارس الأولية والابتدائية في العاصمة والمحافظات.
ويبلغ عدد الخلاوي وكتاتيب السودان في ذلك الزمان (١٥٠٠)، وعدد تلاميذها ستة آلاف، وهي ليست في مستوى واحد. ومنذ سنة ١٩٣٢م بدأت عملية تزويد معلمي الخلاوي بتعليم أرقى، ومدهم بالمساعدات المالية، وظهرت الوظائف الدينية ذات المرتب النقدي، وهي وظيفة الإمام والمأموم والمأذون، منذ العهد التركي واستمرت في عهد الاستعمار الإنجليزي.
وهُناك مدارس تُعرف بكتاتيب أميرية (تجمع بين التعليم قبل المدرسي والتعليم الأولي الابتدائي)، ويدخلها التلميذ إذا كان عمره يتراوح بين سنتين وثماني سنوات، ويعلم فيها القرآن ودروسًا دينية مع القراءة والكتابة والحساب ومبادئ الجغرافيا والتاريخ والصحة والزراعة والأعمال اليدوية.
ورأى سير هارولد ماكميكل، أن تظل الكتاتيب الأميرية أساسًا لنظام التعليم في السودان، ويجب تطورها بحيث تُلبي حاجات الحياة في القرى والمراكز بإدخال الدروس الزراعية والصناعات والحِرف المحلية، مع رفع مستواها أيضًا لتخريج مستخدمين للإدارة الأهلية وجعل المدارس الابتدائية والمعلمين لتخريج مُعلمي الكتاتيب؛ وتسمى أيضًا المدارس الأولية، وقد حددت مُدة الدراسة في مدرسة المعلمين الأولية بأربع سنوات، ويرأسها ناظر إنجليزي ويعاونه بعض السودانيين وبعض الأجانب في السودان.
وقد بلغ عدد المدارس الابتدائية حتى سنة ١٩٣٣م عشرًا، وهي مُنشأة في أكبر مدن السودان الشمالي. ويدخلها التلاميذ الذين يتراوح سنهم بين (١٠ و١٣) سنة، ممن تخرجوا من الكتاتيب الأميرية. ويقبل تلاميذها مجانًا أو بأجور مخفضة أو بأجور كاملة على حسب الأحوال. والغرض الأساسي من إنشاء المدارس الابتدائية هو إعداد طلبة للالتحاق بكلية غوردون، ولكن زاد عدد المتخرجين عن عدد الطلاب المطلوب التحاقهم بالكلية، فاتجهت الفكرة إلى تغيير مناهج التعليم في المدارس الابتدائية، كي يتم استيعاب خريجيها في الوظائف المحلية الصغيرة، أو الاحتراف بالتجارة والأعمال الحرفية، إلى جانب المهمة الأصلية في إعداد طلبة لكلية غوردون، وكانوا جميعهم من البنين، إذ أن تعليم البنات لم يبدأ إلا في عام 1903م في رُفاعة على يد الشيخ بابكر بدري.
* كلية غوردون والمدارس الفنية
مدة الدراسة أربع سنوات، وفي السنتين الأخيرتين يتخصص الطلبة في أقسام مثل: "المعلمين، المترجمين، المحاسبين، الكتبة"، إضافة للطلبة الذين يلتحقون بمدرسة كتشنر الطبية، وأقسام خاصة لـ"الهندسة، والمساحة، والقضاة، والتجارة".
وكان أغلب الطلبة من أبناء مديريتي الخرطوم والنيل الأزرق. ويدفع بعضهم أجورًا كاملة والبعض الآخر أجورًا مخفضة ويتعلم فريق ثالث مجانًا.
والغرض الأساسي للتعليم بالكلية هو: إعداد موظفين للحكومة في كل تخصصات الخدمة العامة، وقد بقي هذا الغرض منذ إنشائها حتى ظهور تقرير (السير ملنر) الشهير. حيث أوصى بتغيير نظام التعليم وجعله لا مركزيًا، أي بإنشاء مدارس فنية في كلِّ مديرية بحسب حاجتها. فأنشأ مدرسة صناعية سنة ١٩٠٧م في أم درمان، وقد أدمجت في سنة ١٩٢٢م في الورش الصناعية لكلية غوردون (جامعة الخرطوم). وكان الغرض منها تلبية حاجة المدن والقرى من هذه الحِرف. أما الورش التعليمية في عطبرة، فقد أنشئت في سنة ١٩٢٤م، إثر إغلاق القسم الميكانيكي لورش كلية غوردون. ويتلقى التلاميذ في عطبرة تعليماً في أعمال البرادة والحدادة لسد حاجة الورش الهندسية الميكانيكية لمصلحة سكك حديد السودان التي تشرف على المدرسة الصناعية بعطبرة.
تاريخ إنشاء كلية غردون
بعد استعادة السودان من المهدية وعودة اللورد كتشنر من الخرطوم إلى لندن؛ دعا مواطني بريطانيا للاكتتاب والمساهمة لإنشاء كلية غوردون بالخرطوم؛ فبلغ الاكتتاب في إنجلترا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا ورأس الرجاء الصالح والهند ومصر (١٢٤) ألف جنيه. ووضع حجر الأساس للكلية في ٥ يناير سنة ١٨٩٩م في حفل رسمي برئاسة كتشنر باشا، وكان عبارة عن إنشاء رمز تذكاري يمثل العدالة الانتقالية لذكرى مقتل الضابط البريطاني غردون في السودان.
التعليم وتدهوره مع الوضع الأليم
ما يحدُث لدينا في السودان أمر غريب، فبعد مرور قرن ونيف، والتعليم لم يدخُل حيز التعميم لكل مواطن، فقد أصبح التعليم في كُل العالم مفروضًا على المواطن، وأن الأسرة إن لم تُرسل أبناءها إلى المدارس (ابتدائي/ متوسط/ ثانوي)، تعرّض للمساءلة القانونية، فإكمال هذه المراحل التعليمية مُهم لكل فرد فهي التي تؤمّن له لُقمة العيش كلٌّ حسب تخصصه، وهذه الأعمال في كثير من الدول وتحديدًا التي تهتم بالمواطن والإنسان من أولويات السيرة الذاتية للشخص كي يستطيع العمل.
أما السودان، فالتعليم فيه مُمنهج بطريق مُجحفة وظالمة، جعلت بعض الأقاليم أو الولايات محرومة من هذا الحق؛ بل لم يتم حسابهم في منظومة وزارة التعليم بتهيئة البيئة المُناسبة لهم لينالوا التعليم مثلهم والبقية، فكان تعليمهم فيه معاناة كبيرة جدًا، إن وجدوا فرصة الالتحاق فعلًا بالمدارس، ولكن الأغلبية منهم لم يُحظ بهذه الفُرص، ولكن على الرغم من أنهم كانوا قلة في ذلك الوقت (بعد الاستقلال)، لكن حتى هذه القلة لم تجد التعليم بسهولة بل كانوا وهم أطفال يسيرون مسافات طويلة لبلُوغ المدرسة، وبالرغم من هذه المعاناة الكثير منهم أصبحوا نوابغ في مجالاتهم! أليس في ذلك إجحافًا من حكومات توالت مُنذ الاستقلال وإلى اليوم؟
وأما ما حدث بعد الحرب في أبريل 2023م، وتوقف الدراسة في عدد من الولايات في غرب السودان والحرمان من الأوراق الثبوتية بقرار من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وحرمان عدد كبير جدًا من طلاب السودان من الجلوس لامتحاناتهم لثلاث سنوات مُتتالية، ففي هذا انتهاك واضح لحق التعليم.
أما المُعلمون "طبقة الموظفين الكادحة المُجاهدة"، أهم فئة في السلم الوظيفي للدولة، فهو أساس المُجتمع بما يقدمه من علم لتكملة الحياة بطريقة سليمة صحيحة تتناسب مع تطور الحياة الحالية والحديثة، فمن المفترض أن يعتلي الصدارة في ترتيب موظفي الدولة؛ إلا أنه وفي آخر حقبة من حُكم السودان أصبح التقليل من شأنه هو الشائع، والكثيرون يرضون بذلك، لا بدَّ أن هناك شيئًا ما؟ لا نعلم إن كان الوضع الاقتصادي المُنهك الذي لا يستطيعون معه المقاومة؟ أم لعلمهم أنه أهم موظف في الدولة وإذا توفرت له سبل الراحة سيُنشئ أجيالًا قوية تقف دروعًا تصُد الظلم وواعية بحقوقها، حينها لا يستطيع السياسيون والعسكر هضم حقوقهم، وقد استمر هذا النهج مُنذ الاستقلال وما زال، مما فرض العزل والتهميش لكثير من المناطق بشكل مُمنهج، وأصبحت الأمية والحروب لا تُبارحها.
السودان ومصادقته مع حقوق الإنسان:
السودان من الدول الموقعة والمصادقة على أبرز الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تضمن وتحمي "الحق في التعليم" كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان.
لأن التعليم يُعدّ حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، ووسيلة محورية لتحقيق التنمية المستدامة وتمكين الأفراد والمجتمعات من النهوض.
وقد نحى السودان هذا المنحى بالالتزام القانوني من خلال انضمامه إلى الصكوك التالية:
1. الاتفاقيات الدولية الرئيسة:
الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم (اليونسكو UNESCO ): صبّت هذه الاتفاقية اهتمامها تحديدًا على منع الإقصاء وتكافؤ الفرص في التعليم. وقد صادق السودان عليها رسميًا في ديسمبر 2019. ومع ذلك ظلت هناك مناطق مُبعدة من سياسة التعليم، وحاليًا في حرب 2023 تم وقف التعليم في أقاليم غرب السودان بشكل مقصود وحرمان الطلاب حتى المُسجلين لامتحانات الشهادة لكل المراحل زيادة على حرمانهم من وثائقهم الثبوتية التي تُثبت هويتهم بأمر من قائد القوات المُسلحة الذي استلم السُلطة بإنقلاب على وثيقة دستورية في 2022 تم توقيعها في فترة الحُكم الانتقالي وقتها.
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: تنص المادة 13 منه على إقرار الدول الأطراف بحق كل فرد في التعليم. وانضم السودان إلى هذا العهد عبر صك الانضمام عام 1986.
Food and Agriculture Organization
اتفاقية حقوق الطفل (CRC): تعد المادتان 28 و29 ركيزتين أساسييتين لضمان إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي. وقد صادق عليها السودان عام 1990.
(UNICEF)
2. الصكوك الإقليمية والتشريعات المحلية:
الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب: تنص المادة 17 منه على أن "لكل فرد الحق في التعليم"، والسودان طرف في هذا الميثاق الإقليمي.
الدستور والقوانين المحلية:
انعكست هذه الاتفاقيات في الوثائق الدستورية السودانية (مثل وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي)، والتي نصت صراحةً على أن التعليم حق لكل مواطن وتكفله الدولة دون تمييز.
على الرغم من هذا الالتزام القانوني نظريًا، تواجه العملية التعليمية في السودان تحديات بالغة ومستمرة في التطبيق على أرض الواقع بسبب النزاعات والاضطرابات.
إذا كنت بحاجة إلى تفاصيل أكثر عن التحديات الحالية التي تواجه تطبيق هذا الحق في السودان، أم كنت تبحث عن نصوص مواد قانونية محددة فهناك:
الإطار الدولي للحق في التعليم:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): تنص المادة 26 صراحةً على أن "لكل شخص الحق في التعلم"، وبأن التعليم يجب أن يستهدف التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز التفاهم والتسامح بين الأمم.
العهد الدولي (1966): أكدت المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على وجوب توجيه التعليم لتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
المبادئ الجوهرية لقانون التعليم في حقوق الإنسان:
*إلزامية ومجانية التعليم:
يجب أن يكون التعليم الابتدائي إلزاميًا ومتاحًا مجانًا للجميع.
*إمكانية الوصول والمساواة:
تكافؤ الفرص في الوصول إلى التعليم الأساسي والثانوي والعالي دون أي تمييز.
*التربية على حقوق الإنسان:
دمج مفاهيم حقوق الإنسان، والديمقراطية، وحماية البيئة في المناهج التعليمية لبناء ثقافة احترام الحقوق.
حرية الاختيار:
حق الآباء في اختيار نوع التعليم لأولادهم بما يتوافق مع قناعاتهم.
المصادر:
* دار الوثائق السودانية
* الإعلان العالمي لحقوق الإنسان




التعليقات (0)
جاري التحميل...