عبدالله برير

في سجل الأغنية السودانية، تحتفظ بعض الأعمال بمكانة خاصة في ذاكرة المستمعين، ومن بينها "يانديدي" من كلمات الراحل عبد العزيز العميري وغناء الفنان سيف الجامعة. أغنية تقوم على عاطفة هادئة، وتجمع بين الحنين والوفاء والأمل، وتكشف في كلماتها عن علاقة عميقة بين الشاعر ومخاطبته.

العميري يكتب هنا بلغة قريبة من الناس، ويمنح مفرداته مساحة واسعة من الشعور. تظهر الحبيبة في القصيدة بوصفها الرفيقة الأقرب، وصاحبة الحضور الذي يملأ حياة الشاعر.

يقول:

"أي صوت راجيه صوتك، وأي شريان فيك وريدي"

في هذا البيت يصل التعلق بالحبيبة إلى أقصى درجاته. صوتها حاجة، ووجودها مرتبط بالحياة، ولذلك اختار الشاعر صورة الوريد ليعبّر عن مكانتها في داخله.

وتظهر هذه العلاقة أيضًا في قوله:

"الزمن قاسي الملامح، وإنتِ نوارة قصيدي"

يضع العميري قسوة الزمن في مواجهة الضوء الذي تمثله الحبيبة. الزمن يحمل ملامح قاسية، بينما تمنح هي القصيدة إشراقها وحضورها.

وفي موضع آخر يقول:

"ما اشتيكيت لوردة غيرك، وما لمست سوى حريرك"

هنا يعبّر الشاعر عن الوفاء لشخص واحد، وعن اكتفائه بحضور الحبيبة التي اختارها قلبه. الوردة والحرير صورتان تحملان رقة العلاقة وخصوصيتها.

"وكلما هاجت شواغل ما نشدت بدل مصيرك.."

ثم تتغير نبرة القصيدة، ويتجه الخطاب نحو الحياة والأفق:

"شفتي كيف الدنيا أخضر من زمان؟
عايني كيف الأفق أوسع من مكان؟"

بعد الحنين، يأتي الإحساس بالاتساع. الدنيا تستعيد خضرتها، والأفق يكبر أمام العين. حضور الحبيبة يمنح الشاعر قدرة جديدة على النظر إلى الحياة، ويجعل المستقبل أكثر رحابة.

ومن هنا تأتي دلالة كلمة "يانديدي". فالنديدة في التعبير السوداني هي الرفيقة والنظيرة، صاحبة القرب في الشعور والوجدان. والكلمة تمنح الأغنية عنوانها وحالتها العاطفية في الوقت نفسه.

يمكن للنديدة أن تكون الحبيبة، أو رفيقة العمر، أو شخصًا يحتل مكانة خاصة في الذاكرة. ولهذا يجد المستمع مساحة يضع فيها تجربته الخاصة، كلما استمع إلى الأغنية.

وفي واحدة من أكثر صور النص حضورًا، يقول العميري:

"هلّ فجرك، يا مصابيح، انطفئي"

"تاني وين ضيق المكان لو إنتِ في"

الفجر هنا علامة على وصول الضوء بعد انتظار طويل. ومع ظهوره تخفت المصابيح القديمة، لأن النهار أخذ مكانه. الصورة تحمل إحساسًا بالوصول والاطمئنان، وتمنح نهاية المشهد العاطفي نبرة من الفرح الهادئ.

ويأتي أداء سيف الجامعة متوافقًا مع طبيعة النص. صوته العميق والهادئ يمنح الكلمات مساحة للتعبير، ويترك للجمل الشعرية فرصة الوصول إلى المستمع من دون استعجال.

في "يانديدي" تتكامل الكلمة مع الصوت. العميري يضع تفاصيل الحالة العاطفية، وسيف الجامعة يمنحها صوته وإحساسه، فتخرج الأغنية بصورة ظلت حاضرة لدى جمهورها.

ولعل قدرتها على البقاء تعود إلى قرب موضوعها من التجربة الإنسانية. الحب والرفقة والانتظار والوفاء مشاعر تتجدد مع كل جيل، ولذلك يجد كل مستمع طريقته الخاصة إلى الأغنية.

قد يسمعها شخص فيتذكر حبيبًا، وقد يستعيد آخر صديقًا أو وطنًا أو زمنًا بعيدًا. وفي كل مرة تستعيد الأغنية حضورها، تأخذ الكلمات معنى جديدًا بحسب ذاكرة من يسمعها.

"يانديدي" واحدة من تلك الأغنيات التي تركت مكانها في الذاكرة السودانية، وظل اسم عبد العزيز العميري مرتبطًا بها، فيما منحها صوت سيف الجامعة حياة متجددة مع كل استماع.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...