د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
ملاحظة تمهيدية
لا يهدف هذا المقال إلى تقديم دراسة تاريخية توثيقية لسوق أم درمان، وإنما إلى قراءة دوره في تشكّل الثقافة السودانية الجامعة داخل مجتمع متعدد الأعراق والثقافات. وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن الثقافات المركزية لا تصنعها القرارات السياسية وحدها، بل تتكون أيضًا عبر التفاعل الاجتماعي اليومي في فضاءات العمران والأسواق والمدن الناشئة.
ابن خلدون والعمران المنتج للاندماج
يرى ابن خلدون أن ازدهار الأسواق يمثل أحد أهم مظاهر اكتمال العمران الحضري. فالسوق ليس مجرد مكان لتبادل السلع، وإنما فضاء اجتماعي وثقافي تلتقي فيه الجماعات المختلفة وتتبادل المنافع والخبرات والعادات. ومن ثم، فإن ازدهاره يكشف عن قدرة المجتمع على بناء شبكة من المصالح والعلاقات المشتركة التي تعزز التماسك والاستقرار.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى سوق أم درمان في عهد المهدية؛ إذ لم يكن مجرد استجابة لحاجة اقتصادية، بل أحد أبرز مظاهر انتقال الدولة من مرحلة الثورة والحركة العسكرية إلى مرحلة الاستقرار والعمران.
أم درمان: من معسكر الثورة إلى عاصمة الدولة
ولدت أم درمان من رحم الثورة المهدية، ولم تنشأ حول مركز تجاري قديم أو مورد طبيعي كما هو حال كثير من المدن. ومع استقرار الحكم تدفقت إليها جماعات من دارفور وكردفان والجزيرة والشمال والشرق، إضافة إلى وافدين من خارج السودان، فوجدت المدينة نفسها تحتضن تنوعًا بشريًا وثقافيًا واسعًا.
وفي ظل هذا الواقع لم يكن كافيًا أن تكون أم درمان مقرًّا للحكم أو مركزًا عسكريًا، بل كان لا بد أن تتحوّل إلى مدينة حقيقية تتوافر فيها مقومات الاستقرار والإنتاج والتبادل.
السوق ضرورة العمران والاستقرار
ارتبطت المدن عبر التاريخ بالأسواق التي تمثل قلبها الاقتصادي والاجتماعي. فهي تجذب التجار والحرفيين والصناع، وتوفر فرص العمل، وتخلق شبكة من المصالح المتبادلة بين السكان. ولذلك فإن ظهور السوق يعد إعلانًا عن انتقال التجمع البشري من الطابع المؤقت إلى العمران المستقر.
ومع انتقال المهدية من مرحلة التعبئة العسكرية إلى مرحلة بناء الدولة، برزت الحاجة إلى تنظيم النشاط الاقتصادي واستيعاب فئات التجار والحرفيين وأصحاب المهن، فبدأت أم درمان تتحول تدريجيًا من معسكر للثورة إلى عاصمة لدولة مستقرة.
الخليفة عبد الله وتنظيم السوق
أدرك الخليفة عبد الله أهمية هذا التحول، فعمل على تنظيم السوق وتخصيص مناطقه وفق الأنشطة التجارية والحرفية المختلفة. ولم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل خطوة أساسية لتنظيم النشاط الاقتصادي وتوفير احتياجات السكان وتهيئة البيئة اللازمة لنمو المدينة واستقرارها.
سوق أم درمان: ملتقى السودان الكبير
غير أن الأهمية الحقيقية للسوق تجاوزت الجانب الاقتصادي. فقد تحول إلى ملتقى اجتماعي وثقافي، التقى فيه بصورة يومية أناس قدموا من بيئات متباعدة. فالتاجر القادم من دارفور جاور الحرفي القادم من الشمال، وتعامل بائع كردفان مع زبائن من الجزيرة، واختلط الوافد من غرب أفريقيا بالمهاجر القادم من مصر أو الحجاز.
وكان هذا التفاعل يتم بصورة طبيعية فرضتها حاجات الحياة اليومية، لا قرارات السلطة ولا الشعارات السياسية، فنشأت بين الناس علاقات تجاوزت حدود التجارة إلى الصداقة والشراكة والمصاهرة.
فضاء للتعارف والتثاقف
تتميز الأسواق بأنها تجمع الناس حول المصالح المشتركة لا حول الانتماءات الضيقة. فالإنسان في السوق يتعامل مع الآخر بوصفه شريكًا في منفعة متبادلة، لا ممثلًا لقبيلة أو جهة بعينها. ولذلك كانت الأسواق عبر التاريخ من أهم أدوات الاندماج الاجتماعي والتثاقف بين الجماعات المختلفة، ومن خلال هذا الاحتكاك المستمر انتقلت المفردات والعادات والأمثال والحكايات بين الناس، وتراجعت كثير من الحواجز التي تصنعها العزلة والانغلاق.
تشكُّل المزاج السوداني المشترك
أسهمت هذه التفاعلات اليومية في نشوء لغة مشتركة ومزاج اجتماعي متقارب. ومع مرور الزمن تشكلت ثقافة حضرية مميزة اتسمت بالتسامح والانفتاح وروح الدعابة والقدرة على التعايش مع التنوع.
ولذلك لم تكن أم درمان مجرد مدينة سكنت فيها جماعات متعددة، بل كانت بوتقة انصهرت فيها تلك الجماعات تدريجيًا لتنتج أحد أهم ملامح الشخصية السودانية الحديثة.
سوق أم درمان وصناعة المشترك الوطني
إذا كانت المهدية قد نجحت في جمع السودانيين تحت راية سياسية واحدة، فإن سوق أم درمان أسهم في جمعهم داخل فضاء اجتماعي وثقافي مشترك. ففي الوقت الذي وحدت فيه الدولة الناس سياسيًا وعسكريًا، كان السوق يعمل بهدوء على بناء المشتركات اليومية التي تجعل التعايش ممكنًا والانتماء الوطني أكثر رسوخًا.
خاتمة: الدورق الأول للثقافة السودانية الجامعة
لا يمكن اختزال تاريخ سوق أم درمان في تاريخ التجارة وحدها، لأنه يمثل أيضًا تاريخ تشكل العلاقات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في بناء المجتمع السوداني الحديث. ولعل من المبالغة القول إن السوق صنع السودان، لكن ليس من المبالغة اعتباره أحد أهم المعامل التي تشكلت فيها الشخصية السودانية الجامعة.
فقد كان بمثابة الدورق الأول الذي انصهرت فيه خصائص الجماعات المختلفة الوافدة إلى أم درمان، فتكونت من تفاعلاتها المتواصلة نواة ثقافة مركزية جامعة امتد أثرها إلى مختلف أنحاء السودان، وأسهمت في ترسيخ قيم التعايش والتعارف وبناء المشترك الوطني.




التعليقات (0)
جاري التحميل...