إمام الحلو

 

الوصف السائد "دولة 56" الذي يطلقه بعض الناقمين على الدولة السودانية المستقلة قد لا يكون دقيقًا. وفي ذلك يشير المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه "بناء الدولة" إلى أن الدولة الحديثة لم توجد على الإطلاق في أجزاء واسعة من العالم، مثل الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء، قبل فترة الاستعمار الأوروبي. وقد أدت تصفية الاستعمار، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى انهماك البلدان النامية بشكل محموم في عمليات بناء الدولة، التي كانت ناجحة في دول مثل الهند والصين، في حين لم تحدث إلا اسميًا في أجزاء عديدة أخرى من إفريقيا وآسيا.

 

وهكذا عاشت الدولة السودانية ما بين فترة ديمقراطية قصيرة الأجل وفترة انقلابية طويلة الأمد، "الحلقة الجهنمية" كما وصفها عديد من الكُتّاب والمثقفين السودانيين. فتآكلت بنيتها الكولونيالية شيئًا فشيئًا، حتى انتهت إلى ما آلت إليه من حرب أهلية جائرة، وانقسام مجتمعي بائن، وخطاب كراهية متنامٍ، وتهديد متصاعد بالانقسامات والتفتت إلى كانتونات قبلية وجهوية لا رابط بينها، يديرها أمراء حرب من قادة الميليشيات.

 

وقد يبدو أن حرب أبريل هذه بدأت نتيجة لصراع بين جنرالين حول السلطة والثروة. لكن الدلائل تشير إلى أن انفجارها كان بسبب طلقة أطلقتها جماعة من الحركة الإسلامية لوقف عملية التحول المدني الديمقراطي واستعادة السلطة تحت راية دولة "المشروع الحضاري". وأصبحت الآن حرب أبريل حربًا يدور رحاها بين ثلاثة مشاريع لأنماط دول مختلفة: مشروع إعادة بناء "دولة وينجيت"، ومشروع "تأسيس دولة جديدة علمانية فدرالية"، ومشروع مستتر هو "استعادة دولة المشروع الحضاري"، وإن بدا يتكشف بالهجوم السافر على قائد الجيش وحكومته.

 

وفي رأيي أن هذه المشاريع الثلاثة فاشلة، ولن يحقق أيٌّ منها آمال وأحلام المواطن السوداني البسيط في توفير الخدمات الأساسية من طعام وسكن وصحة وتعليم، ولا مهامها الأساسية في توفير الأمن والاستقرار والسلامة العامة وحكم القانون وحماية حقوق الملكية. وهي فاشلة لأنها قائمة على أيديولوجية الدولة القومية "الدولة - الأمة"، لأن شرط تكوين الدولة القومية، وهي كيان سياسي ذو سيادة يتمتع سكانه بوعي قومي مشترك، دولة تجمع بين مفهوم "الأمة" ككيان ثقافي واجتماعي ومفهوم "الدولة" ككيان سياسي، شرط غير متحقق.

 

إن الطريق السليم لخلاص الوطن من هذه المحنة ونجاته إلى بر الأمان هو أولًا العمل على وقف هذه الحرب وإنهائها عبر التفاوض والاتفاق بين أطرافها لمصلحة الوطن، وتوافق كل السودانيين على بناء دولة جديدة، دولة قائمة على مبادئ الديمقراطية التوافقية المستدامة، والالتزام بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المنصوص عليها في المواثيق الأممية والأعراف الإنسانية، وعلى معايير الحكم الراشد.

 

دولة وطنية لا مركزية فدرالية، قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وعلى الاندماج الوطني بإدارة راشدة للتعدد العرقي وصهر التنوع الثقافي في بوتقة "الهوية الوطنية"، والتركيز على إيجابيات التعددية ودولة المواطنة المدنية بدلًا من التركيز على حقوق الأقليات المختلفة عن إثنية الأكثرية، وتحقيق الوحدة الوطنية بتكريس الانتماء الوطني للسودان المكان، وتحصين هذه الدولة الوطنية بسياج التكامل والتعاون الاقتصادي والأمني والاستراتيجي لإقليم حوض النيل العظيم.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...