دكتورة فرناز عطية
تحدثنا في الجزء الأول من المقال في العدد السابق، عن ألوان المعاناة التي تتكبدها المرأة السودانية منذ اندلاع الحرب وحتى وقتنا الراهن، وناقشنا باستفاضة جانبين من جوانب هذه المعاناة تمثلت في:
· النزوح واللجوء والتهجير القسري.
· العنف الجنسي كسلاح في الحرب.
ونتابع في هذا الجزء الحديث عن ألوان وجوانب معاناة المرأة السودانية منذ اندلاع الحرب سواءً داخل المعترك في السودان، أو كونها لاجئة أجبرت على الخروج من بلادها نزولًا على الأوضاع الأمنية والمعيشية والاقتصادية التي يستحيل التعايش معها:
· العنف الاقتصادي:
فرضت الحرب في السودان منذ اندلاعها وضعًا اقتصاديًا رثًا، كما زادت معدلات الفقر، وفرض العوز قسرًا على الكثير من النساء السودانيات وعوائلهنَّ، فقد تضاعفت معدلات الفقر بسبب الصراع المتواصل، حيث أشارت البيانات الرسمية وتقارير الأمم المتحدة لعامي 2025م و2026م، إلى أن نسبة السودانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر تتراوح حاليًا بين (70% و73%)، مقارنة بنحو (21% إلى 38%) قبل اندلاع الحرب، فيعيش (24) مليون سوداني أي نصف السكان تحت خط الفقر الذي يحدده البنك الدولي عند (3) دولارات للفرد يوميًا، بينما يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 1 من بين 4 سودانيين يعيش في "فقر مدقع"، وهنا تتضاعف معاناة النساء السودانيات، سواءً في الداخل بمناطق النزوح، حيث تواجه الكثير من المصاعب للحصول على مواد الإغاثة التي قد تضطر لبيعها لتوفر احتياجاتها الضرورية هي وأسرتها، كذا تتعرض للمساومة مقابل الحصول على لقمة العيش، أو في مناطق اللجوء حيث تضطر للعيش على حدِّ الكفاف وممارسة مهن وحرف ذات عائد بسيط لتساعدها على العيش، أو تنتظر التحويلات المالية، إن كانت تملك أقارب يعيشون في إحدى الدول الأجنبية أو الخليجية، حيث تتأرجح بين أسعار الصرف، وغلاء المعيشة، وظروف التضخم العالمي، والحروب في المنطقة والعالم التي قد تعطل عنها هذا الدخل وتقطعه.
وهنا ترى معظم السودانيات، أن الشعور بالأمان يتولد من التمكين الاقتصادي، وإيجاد مصادر للدخل، وتمويل قادر على تحسين الأوضاع المعيشية والصحية والتعليمية، وتوفير فرص عمل للنساء السودانيات لتأمين احتياجاتهنَّ وأسرهنَّ، أخذًا في الاعتبار أن التمويل الدولي لقطاع الحماية لا يتجاوز (14%)، بينما يبلغ تمويل القطاع الصحي (11%)، مما يتطلب زيادة في حجم التمويل الدولي لدعم هؤلاء النساء.
· الحرمان من الحقِّ في التعليم:
أدى استمرار الحرب والنزاع المسلح، وخوف الأهالي على بناتهنَّ من الخروج للمدارس، إلى جانب محدودية عدد المدارس وبعدها، إلى انخفاض نسبة التعليم بين السودانيات، حيث تتجاوز نسبة الأمية بين النساء في السودان (50%) وتصل في بعض التقديرات إلى أكثر من (60%)، ويتركز هذا الانتشار بشكل حاد في المناطق الريفية والولايات المتأثرة بالنزاعات.
· الأوضاع الصحية المتردية:
تواجه النساء في السودان أزمة صحية وإنسانية كارثية؛ حيث انهارت البنية التحتية الطبية، وتوقفت خدمات الصحة الإنجابية، مما أدى إلى ارتفاع مقلق في وفيات الأمهات، وتفشي سوء التغذية الحاد بين الحوامل، إلى جانب تزايد التحديات المرتبطة بالصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى خروج نحو (80%) من المستشفيات في مناطق النزاع عن الخدمة، ونقص حاد في الأدوية والغذاء واللقاحات، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي بمخيمات النازحين، في حين يشهد السودان تفشيًا واسعًا للعديد من الأوبئة، أبرزها الكوليرا وحمى الضنك وجدري القرود والملاريا، ويدفع النساء والأطفال ثمن انهيار هذه المنظومة الصحية، مما يجعلهم أكثر عرضة لتفشي الأمراض والأوبئة.
وأمام ما تعانيه المرأة السودانية من أزمات وصعوبات تفوق احتمالها بسبب الصراع المستمر، لا بدَّ للمجتمع الدولي والمنظمات النسائية والحقوقية، أن تقف إلى جانب النساء السودانيات ودعمها بكل الوسائل الممكنة، وتوفير سبل العيش الكريم الآمن لها، والإسهام في وقف العنف ضد المرأة السودانية، وإنزال أقصى العقوبة بكلِّ من يستخدم المرأة كسلاح في الحرب.




التعليقات (0)
جاري التحميل...