د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

ظل اقتحام الخرطوم في 26 يناير 1885م، من أكثر أحداث الثورة المهدية إثارةً للجدل؛ إذ أنهى الحكم التركي المصري وفتح مرحلة جديدة في تاريخ السودان، لكنه في الوقت نفسه أصبح موضعًا لمطاعن تتعلق بما جرى داخل المدينة وسلوك جيوش المهدية تجاه سكانها وأموالهم.

ولا تهدف هذه القراءة إلى تبرئة المهدية مسبقًا أو إنكار احتمال وقوع تجاوزات، وإنما إلى وضع الحدث في سياقه التاريخي والسياسي، وقراءته في ضوء وثائق معاصرة، وفي مقدمتها خطابات الإمام المهدي إلى أهل الخرطوم وإلى أنصاره المحاصرين لها. فالتاريخ لا يُقرأ بمنطق الدفاع أو الإدانة، وإنما بمحاولة فهم الحدث كما رآه معاصروه.

الخرطوم عشية الاقتحام

كانت الخرطوم قبيل سقوطها مدينة تعيش حصارًا طويلًا أنهك حاميتها وسكانها، وانتهى بانهيار مفاجئ للسلطة العسكرية والسياسية. ولذلك فإن اقتحامها لم يكن دخولًا إلى مدينة مستقرة، بل كان نهاية معركة طويلة اختلطت فيها مشاعر النصر والانهيار والفوضى.

وهذه الحقيقة ضرورية لفهم الساعات الأولى بعد سقوط المدينة؛ فالمدينة التي تُفتح بعد استسلام منظم تختلف عن مدينة تُقتحم بعد حصار، حيث تتداخل في لحظة واحدة آثار الحرب والانتصار والغنيمة والانفلات، ويصبح من الصعب التمييز بين ما تمليه القيادة وما يصدر عن الأفراد.

خطابان لوظيفتين مختلفتين

تبرز في هذا السياق وثيقتان مهمتان للإمام المهدي: خطابه إلى أهل الخرطوم، وخطابه إلى الأنصار المحاصرين لها. ولا يصح تفسيرهما بالطريقة نفسها، لأن لكل منهما وظيفة مختلفة.

فالخطاب الموجه إلى المقاتلين هو خطاب تعبئة وحشد، يهدف إلى رفع المعنويات والحث على الثبات والاستخفاف بالخصم، وهي لغة مألوفة في ظروف الحرب، ولا يجوز تحويلها إلى برنامج سياسي للتعامل مع سكان المدينة بعد سقوطها.

أما الخطاب الموجه إلى أهل الخرطوم، فيخاطبهم باعتبارهم مجتمعًا، يدعوهم إلى التسليم والرجوع وطلب المغفرة، لا باعتبارهم جميعًا عدوًا عسكريًا يجب القضاء عليه. وهذه نقطة مهمة؛ لأن سياسة أي قائد تجاه مدينة ينبغي أن تُفهم أولًا من خلال ما أعلنه لأهلها وما تصوره لمصيرهم بعد انتقال السلطة.

بين الغنيمة والانضباط

تكشف وثائق المهدية اهتمامًا واضحًا بمسألة الغنائم والغلول، وتحذر المقاتلين من أن يتحول النصر إلى وسيلة للاستئثار بأموال الناس. كما تضمنت التوجيهات دعوات إلى صيانة الحقوق وعدم التعدي على الأموال والأعراض.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: وجود تعليمات صادرة عن القيادة، ومدى التزام جميع الأفراد بها. فإذا ثبت وقوع تجاوزات عند سقوط الخرطوم، فإن ذلك لا يثبت تلقائيًا أنها كانت سياسة مقررة من الإمام المهدي، بل يفرض سؤالًا مختلفًا: هل كانت تلك الأفعال تنفيذًا لتوجيهاته، أم خروجًا عليها، أم نتيجة طبيعية للفوضى التي صاحبت انهيار السلطة؟

ضرورة قراءة الحدث في زمنه

تقع بعض القراءات الحديثة في خطأ منهجي عندما تحاكم سلوك مقاتلي المهدية بمعايير مثالية معاصرة، متجاهلة طبيعة الحروب في القرن التاسع عشر.

ولا يعني ذلك تبرير الاعتداء أو النهب أو القتل إن ثبت وقوعه، وإنما يعني أن فهم الواقعة يجب أن يسبق إصدار الحكم عليها. فالإنسان الذي يعيش لحظة الحرب ليس هو الإنسان الذي يقرأ عنها بعد أكثر من قرن، وقد تبدلت القيم السياسية والاجتماعية وتراكمت المعرفة التاريخية.

كما لا يصح إسقاط مفاهيم العصر الحديث على مجتمع كان يفهم الحرب والغنيمة والسلطة وفق تصورات مختلفة. وهذا لا يجعل كل ما كان شائعًا صحيحًا، لكنه يفرض قراءة الماضي وفق معاييره قبل إخضاعه لمعاييرنا.

سياسة القيادة وسلوك الجند

ومن أهم ما ينبغي التمييز بينه سياسة القيادة وسلوك الأفراد. فليس كل ما يفعله الجندي هو أمر من قائده، كما أن وجود أوامر من القيادة لا يعني التزام جميع المقاتلين بها.

ويؤكد التاريخ العسكري أن سقوط المدن بعد حصار طويل كثيرًا ما يصاحبه قدر من الفوضى يصعب على أية قيادة السيطرة عليه بصورة كاملة. ولذلك فإن إثبات وقوع تجاوزات لا يكفي وحده لإثبات أنها كانت سياسة رسمية، كما أن وجود تعليمات تمنعها لا يكفي لنفي وقوعها.

والمنهج العلمي يقتضي المقارنة بين النصوص الصادرة عن القيادة، والروايات التاريخية، والوقائع الموثقة، للوصول إلى صورة أكثر توازنًا.

المطاعن بين الرواية والتحقيق

ولهذا فإن المطاعن الموجهة إلى جيوش المهدية لا ينبغي قبولها أو رفضها ابتداءً، وإنما إخضاعها للتحقيق التاريخي.

مَنْ صاحب الرواية؟ وهل كان شاهدًا مباشرًا أم ناقلًا؟ ومتى كتب شهادته؟ وهل كان طرفًا في الصراع؟ وهل تؤيدها روايات مستقلة أو وثائق معاصرة؟ وهل تتفق مع التعليمات المعروفة الصادرة من قيادة المهدية؟

فليس كل ما قاله خصوم المهدية باطلًا، كما ليس كل ما قاله أنصارها صحيحًا. والوثيقة تُقوَّم بقيمتها التاريخية، لا بانتماء صاحبها.

الخرطوم بين التحرير والانفلات

كان سقوط الخرطوم لحظة انتقال تاريخي كبرى؛ إذ انهارت سلطة قائمة، ووجدت القيادة الجديدة نفسها أمام مدينة كاملة ينبغي إدارة سكانها ومؤسساتها وأموالها.

ومن الطبيعي أن تختلف لحظة الاقتحام، بما تحمله من اضطراب، عن مرحلة بناء السلطة وإعادة تنظيم المجتمع. ومن هنا لا يجوز الخلط بين مقتضيات المعركة وسياسات الدولة التي تلتها.

وعند الجمع بين خطاب الإمام المهدي إلى أهل الخرطوم وخطابه إلى أنصاره، تتضح صورة أكثر توازنًا؛ فهو يدعو سكان المدينة إلى التسليم والرجوع، وفي الوقت نفسه يحث المقاتلين على الثبات، لكنه يحذرهم أيضًا من أنْ تصرفهم الغنائم عن الغاية التي خرجوا من أجلها. وهذه الإشارات لا تحسم كل ما وقع داخل الخرطوم، لكنها تمنع من القفز إلى نتيجة تعتبر كل تجاوز تعبيرًا عن إرادة القيادة.

خاتمة

إن أكثر ما تحتاجه واقعة استعادة الخرطوم اليوم ليس مزيدًا من التقديس ولا مزيدًا من الإدانة، وإنما قراءة تاريخية أكثر إنصافًا، فالمهدية ليست بحاجة إلى رواية تنكر كل تجاوز وقع باسمها، كما أن خصومها ليسوا بحاجة إلى رواية تجعل كل فعل ارتكبه أحد مقاتليها جزءًا من سياسة الإمام المهدي.

والإنصاف يقتضي أن نضع كلَّ شيء في موضعه: الوثيقة في سياقها، والخطاب في وظيفته، والمقاتل في ظرفه، والقيادة في مسؤوليتها، والواقعة في زمانها.

فالتاريخ لا يُقرأ بهدوء نفوسنا نحن، وإنما باضطراب نفوس من عاشوا الحدث. وهذا لا يعني أن نغفر للماضي كلَّ شيء أو ندينه في كلِّ شيء، وإنما أن نمنحه أولًا حقه في أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...