سحابات الهموم
عبد الله برير
العود يناجي شلالات التداعي المسجاة على حواف الذكريات، وينوح مواسيًا سحائب الشجن الثكلى. يتكثف النغم الحزين بأنفاسٍ حرى، تلهث بالحسرة.
"قلت ليها" ... دونما هدهدات، حوارٌ يُطل من شرفة النهايات. يأتي صوت مصطفى من أعماق الأسطورة، وقبل أن ينطق، يكون مشبعًا بطعم الاستسلام لمآلات الظروف: "وإيدي في إيديها.. دمعة حزن سالت"، اتحادُ أيدي الضحايا، مصلوبين على دموع الحزن السائلة فوق خد الفجيعة المُرّة.
"جايي منك وماشي ليك" ... فلا سفر إلا منها وإليها، واختزالٌ لعمرٍ كامل في ذهاب وإياب بين ضفتيها. ثم يأتي النداء" لييييك"، حيث تتحول إطالة المد إلى امتداد للأسى.
يا مدائن غربة طالت
لو مدارات نجمي ضلت
وسكة السفر استحالت
كوني في دربي الحقيقة
الديمة ليها مشاعري مالت
هنا ينتقي صلاح حاج سعيد مفردات الإخلاص بعناية؛ فأحاسيسه لا تدور إلا في فلكها، ومدارات نجمه التائه لا تعرف منارة سوى عينيها، وهي بالنسبة إليه الحقيقة المطلقة التي تميل إليها بوصلته كلما ضل الطريق.
تهدأ لواعج الأسى، قبل أن تدخل الأغنية في دوامة الموسيقى الباكية:
شاعرٌ يتعبد في مغارات الشجن، ويجتر مفردات الوجع، وينتقي للحزن أجمل ربطة عنق يزين بها جيد القتلى، ليظهروا في أبهى حلل المأساة. ويصدر خوفه من ليالي الأمسيات الشاردة في متاهات اليأس، حيث يظلل الحزن مداها، ويرسم لوحة المسافة:
فلا أمل في اللقاء، ولا جدوى من الانتظار.
ثم يختزل صلاح الحكاية كلها في جملة واحدة:
إنتِ يا الفرح الحقيقة المستحيل
ذلك التضاد المدهش؛ فهي الحقيقة، لكنها مستحيلة، والفرح، لكنه بعيد المنال.
ثم تأتي واحدة من أكثر لحظات الأغنية وجعًا:
"وقلت ليها الحقيقة
الضايعة بين قلبي وعيونك"
تسبقها موجات العود المغموسة في الجراح، ثم الاعتراف:
"إني لا قادر أوصلك
لا أجيك"
ثم يبلغ النص ذروة صفائه:
وإنتِ عارفة
وقلت ليك
ياني أكتر زول بريدك
هدوء يشبه سكرات الحب. فهي تعرف يقينًا أنه أكثر من أحبها على وجه الأرض، في تعبير يحمل بساطة العامية وعمق الشعر.
ثم يقول:
"ياني صفوة عاشقيك"
في لفظة "ياني" وحدها، يستقر دفء الإحساس ورهافة الحرف. أما "صفوة عاشقيك"، فهي من أجمل ما انتقاه صلاح حاج سعيد، الممسك بزمام اللغة الرشيقة الشفيفة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...