د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
ما بفهم المكتوب... البقرأ بالقلبة
أبدأ بما قاله شاعر الشعب محجوب شريف: (ما بفهم المكتوب... البقرأ بالقلبة)! أحيانًا لا نحتاج إلى استعارة جديدة لفهم حاضرنا؛ يكفي أن نعيد قراءة التاريخ، ولكن هذه المرة من الجهة الأخرى.
من كليب إلى السودان
حين اعتلى ممثل السودان منصة الأمم المتحدة، موجهًا اتهامات حادة إلى الإمارات، في سياق حديثه عن الحرب ومواقفها، بدا المشهد وكأنه يستعيد روح الزير سالم: خطاب الغضب، والثأر، والتمسك بالمظلمة، ورفض ما يُطرح من تسويات قبل استيفاء شروطها. هناك محاولات إقليمية ودولية متعددة تسعى، بدرجات مختلفة، إلى الوصول إلى مخرج من الحرب السودانية. ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية: من هو كليب؟ ومن هو المهلهل؟ ومن هو الحارث؟ ومن هو بُجير بن الحارث(١)؟ لربط أصل الحكاية بكلفة الحرب.
الحارث بن عباد وبداية الحكاية
ففي قصة حرب البسوس، لم يكن الحارث بن عباد هو الذي أشعل الحرب. بل كان بعيدًا عنها، وحاول أن ينأى بنفسه عن أتونها. وحين أرسل ابنه بُجير في محاولة لإنهاء النزاع، تحوّل مقتله إلى نقطة فاصلة أعادت إشعال الحرب بدلًا من إطفائها.
أما المهلهل، فقد حمل مظلمته وثأر أخيه كليب، ومضى في حرب امتدت زمنًا طويلًا، حتى أصبحت الحرب أكبر من القضية التي بدأت بسببها.
حين تصبح المظلمة أكبر من القضية
وهنا تبدأ المقاربة السودانية، فلسان (حارث) السودان السياسي عندما يتحدث بلغة الحرب المفتوحة، ويرفض الوساطات والتسويات، قد يبدو في لحظته خطابًا قويًا ومتمسكًا بالحقوق. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الاحتفاء بهذه القوة هو: إلى أين يقود هذا الخطاب؟ ومن الذي يدفع ثمنه؟ ففي حرب البسوس، لم يكن الذين دفعوا الثمن هم أصحاب الخطابات وحدهم. كانت القبائل والناس والبيوت والنساء والأطفال، هم الذين عاشوا نتائج الحرب الطويلة. وهذا هو وجه الشبه الأكثر إيلامًا مع السودان اليوم.
من يدفع ثمن الخطاب؟
الخطاب الرسمي يمكن أن يظل صلبًا في قاعات الأمم المتحدة، ويمكن أن ترتفع نبرته في مواجهة الخصوم، ويمكن أن تتحول المواقف السياسية إلى معارك دبلوماسية؛ لكن المواطن السوداني لا يعيش في قاعة الأمم المتحدة، إنه يعيش في مدينة خربتها الحرب، أو قرية نزح عنها أهلها، أو معسكر، أو دولة لجوء، أو بيت ينتظر عودة غائب لا يعرف إن كان سيعود.
هنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا: لمن تكون البطولة؟ ومن يدفع ثمنها؟
روح الحارث (القديمة) أم روح المهلهل (حارث هذا الزمان)؟
وإذا أردنا أن نستحضر الحارث بن عباد في هذه المقارنة، فعلينا ألا نتذكره فقط بوصفه أبًا قُتل ابنه بُجير، وإنما بوصفه شخصية ارتبطت في بداية حربه بمحاولة تجنبها وحقن الدماء. وهنا تكمن المفارقة.
فالسودان اليوم يحتاج إلى روح (حارث بكر) أكثر مما يحتاج إلى روح المهلهل. يحتاج إلى من يبحث عن مخرج من الحرب، لا إلى من يجعل استمرارها اختبارًا للكرامة، فالوساطة ليست بالضرورة تنازلًا، والتفاوض ليس بالضرورة استسلامًا، والتسوية ليست بالضرورة تخليًا عن الحقوق.
الوساطة ليست استسلامًا
قد تكون الوساطة الإقليمية أو الدولية محل خلاف، وقد تكون للدول المتدخلة مصالحها وحساباتها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن الرد على الوساطة لا يكون بإغلاق باب التفاوض، وإنما بالتعامل معها بما يحفظ المصالح السودانية ويقود إلى إنهاء الحرب. فالمطلوب ليس أن نثق بكل وسيط، وإنما ألا نفقد القدرة على استخدام الوساطة لمصلحة السودان.
السيادة: حماية الموقف أم حماية الوطن؟
وهنا تحديدًا أرى أن قراءة التاريخ بالمقلوب تصبح خطرة.
حين يستدعي (حارث السودان) صورة المهلهل لتبرير الصلابة، فإنها قد تنسى أن المهلهل نفسه لم يخرج من الحرب بوطن أكثر أمنًا؛ بل ارتبط اسمه بحرب طويلة أصبحت مثالًا على كيف يمكن للثأر أن يتجاوز القضية التي بدأ بسببها.
وحين تصبح كل مبادرة إقليمية أو دولية موضع اتهام، وكل محاولة للتقريب بين الأطراف تدخلًا غير مقبول، وكل دعوة إلى التسوية انتقاصًا من السيادة، فإننا نكون قد نقلنا مفهوم السيادة من حماية الشعب إلى حماية الموقف السياسي.
وهذا هو (قلب) الحكاية، فالسيادة ليست أن يظل الخطاب صلبًا بينما ينهار المجتمع. السيادة أن يبقى الوطن. أن يبقى الناس. أن تتوقف الحرب. أن يعود النازحون إلى بيوتهم. وأن يجد السودانيون طريقًا لاستعادة دولتهم من دون أن يدفعوا ثمن ذلك من مستقبل أجيال كاملة.
السؤال الحقيقي: إلى أين يقودنا الخطاب؟
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الخطاب السوداني اليوم ليس: هل كان قوياً؟ بل: إلى أين يقودنا؟ وهل سيذكر التاريخ أن مواقفنا الدبلوماسية انتصرت، أم سيسأل لماذا استمرت الحرب بينما كان الوطن ينزف؟ ومن دفع كُلفة الحرب؟
حين تصبح الحرب غاية
في قصة البسوس، كانت البداية مقتل كليب، ثم جاء الثأر، ثم جاء الثأر من الثأر، حتى أصبحت الحرب أكبر من أسبابها الأولى.
وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن يخشاها السودان: أن تصبح الحرب غاية بعد أن كانت وسيلة. أن يصبح الانتصار في الخطاب أهم من إنقاذ الناس. أن تتحول المواقف إلى ثوابت تمنع أصحابها من التراجع، حتى عندما يصبح التراجع لإنقاذ الوطن فضيلة.
من ينتصر: الخطاب أم السودان؟
ولعل المفارقة الأشد قسوة أن الذين يرفعون اليوم شعارات الصمود باسم السودان قد يكتشفون، بعد سنوات، أن السودان نفسه كان الطرف الذي خسر أكثر من الجميع. لذلك، فإن استدعاء قصة (حارث بكر) لا ينبغي أن يكون لاستحضار الثأر، وإنما لاستحضار الدرس.
فالحارث الذي أراد أن يبتعد عن الحرب، والمهلهل الذي مضى في طريق الثأر، ليسا مجرد شخصيتين في قصة قديمة؛ إنهما صورتان تساعداننا على التفكير في خياراتنا اليوم. وفي السودان، نحن أمام سؤال لا يحتمل كثيرًا من البلاغة: هل نريد أن ننتصر في الخطاب، أم نريد أن ينتصر السودان؟
كل طريق إلى السلام يستحق أن يُختبر إذا كان المقصود هو السودان، فإن كل مبادرة توقف الحرب تستحق أن تُدرس، وكل وساطة تستحق أن تُختبر، وكل تسوية تستحق أن تُناقش، سواء جاءت من محيط السودان الإقليمي أو من المجتمع الدولي، من دون أن تتحول المواقف السياسية إلى أبواب مغلقة أمام السلام.
أما إذا ظللنا نقرأ التاريخ بالمقلوب، فقد نكتشف متأخرين أننا لم نكن نعيد إنتاج بطولة المهلهل، وإنما كنا نعيد إنتاج مأساته.
وعندها لن يكون السؤال: من قتل كليب؟ بل سيكون السؤال الأكثر قسوة: من الذي ترك السودان ينزف كل هذا الوقت؟
المفارقة الأخيرة: من حقن الدماء إلى "لا صلح"
ولعل أخطر ما في قصة الحارث بن عباد أن الرجل الذي بدأ محاولًا حقن الدماء، انتهى، بعد مقتل ابنه بُجير، إلى إعلان حرب لا تقل مأساوية عن الحرب التي أراد أن يبتعد عنها.
وهنا تأتي كلمته التي تختصر مأساة اللحظة كلها:
(يَا بُجَيْرَ الخَيْرَاتِ لَا صُلْحَ حَتَّى ... نَمْلأَ البَيدَ مِنْ رُؤُوسِ الرِّجَالِ)
حاشية
(١): اسم (بُجَيْر) (بضم الباء وفتح الجيم) هو الاسم الصحيح تاريخيًا والوارد في أمهات كتب الأدب والتاريخ العربي مثل "الأغاني للأصفهاني والكامل في التاريخ لابن الأثير". أما اسم "جُبَيْر" (بضم الجيم وفتح الباء)، فهو خطأ شائع يقع فيه الكثيرون بسبب تشابه الحروف (قلب مكاني). والدليل القاطع على أن اسمه بُجَيْر يظهر في الشعر الفصيح الذي قاله والده الحارث بن عباد نفسه في قصيدته الشهيرة عقب مقتله.




التعليقات (0)
جاري التحميل...