من على الشرفة
طاهر المعتصم

لم يكن انتقال أفكار جماعة الإخوان المسلمين من مصر إلى السودان مجرد امتداد فكري، بل تحول إلى مشروع سياسي انتهى بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية وأدخل البلاد في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت سياسة "التمكين" عنوانًا لإدارة الدولة، فتقدمت الولاءات التنظيمية على الكفاءة، وأُعيد تشكيل مؤسسات الخدمة المدنية والقوات النظامية وفق معايير الانتماء لا المهنية.

دفعت البلاد ثمنًا باهظًا لهذه المغامرة. فقد تصاعدت الحرب في جنوب السودان، واكتسبت أبعادًا دينية وسياسية عمّقت الانقسام الوطني، قبل أن ينتهي الأمر بانفصال الجنوب عام 2011م. كما دخل السودان في عزلة دولية طويلة بعد اتهامات تتعلّق بدعم جماعات متطرفة وإيواء مطلوبين دوليًا، وتعقدت علاقاته الخارجية عقب أزمة محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك في أديس أبابا، لتتوالى العقوبات التي أرهقت الاقتصاد وأضعفت الدولة.

ولم تتوقف الأخطاء عند ذلك الحد، إذ شهدت تلك المرحلة تأسيس قوات الدعم السريع وتقنين وجودها وإشراكها في صراعات خارجية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى أحد أطراف الحرب التي تمزق السودان اليوم. وحتى بعد سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019م، لم تنقطع محاولات العودة إلى السلطة، سواء عبر تقويض الانتقال المدني أو دعم انقلاب أكتوبر 2021م، وصولًا إلى الاستقطاب الذي سبق اندلاع الحرب الحالية.

واليوم، وبعد دخول الحرب عامها الرابع، تحدثت تقارير إعلامية عن محاولات تبذلها شخصيات وواجهات محسوبة على الحركة الإسلامية لفتح قنوات تواصل مع الولايات المتحدة والاستعانة بشركات علاقات عامة ولوبيات سياسية لتحسين صورتها وكسر العزلة الدولية. وإذا صحت هذه التقارير، فإنها تعكس مفارقة لافتة؛ فبعد عقود من خطاب المواجهة مع الغرب، أصبح البحث عن القبول الخارجي أولوية، بينما كان الأولى أن يبدأ الطريق باعتذار صريح للشعب السوداني، ومراجعة شجاعة لتجربة أهدرت الديمقراطية ومزقت الوطن وأورثت الأجيال حربًا لم تنتهِ بعد.

لقد أثبتت التجربة أن الانقلابات قد تمنح سلطة مؤقتة، لكنها لا تبني وطنًا. وما يحتاجه السودان اليوم ليس البحث عن مخرج من العزلة الخارجية، بل الخروج من إرث الانقلابات نفسه، عبر مصارحة وطنية شجاعة، ومراجعة صادقة، ومصالحة تعيد للدولة معناها، وللسياسة أخلاقها، حتى لا يورث جيلٌ جديد ثمن أخطاء كان يمكن الاعتراف بها قبل سبعة وثلاثين عامًا.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...