مساعد النويري
في كل عصر من عصور التاريخ تتوهج أسماء نساء كتبن بالعرق والدمع والجهد حروفًا لا تمحوها السنين نساء لم يكن مجرد زينة في صفحات الأيام بل كن جوهرها وروحها وملحها الذي يحفظها من الفساد. فمنذ فجر الإنسانية والمرأة هي اليد التي تزرع والصوت الذي يصدح والقلب الذي يرف والعقل الذي يضيء. وحين ندقق النظر في صفحات الحضارات نجدها حاضرة في القمم كما في السفوح في المدارس كما في الأسواق في الحقول كما في قصور الحكم. لقد كانت المرأة في مصر القديمة كاهنة وملكة وفي اليونان ملهمة للفلاسفة وفي الإسلام شريكة في صناعة الفجر الأول حيث حضرت السيدة خديجة بمالها والسيدة عائشة بعلمها وأم عمارة بحد سيفها لتثبت أن الأنوثة لا تتناقض مع البطولة بل هي وجه آخر لها.
وعلى امتداد الأرض العربية والأفريقية نقرأ في التاريخ عن ملكات حكمن وشاعرات ألهمن ومناضلات تصدرن. زنوبيا في تدمر وبلقيس في سبأ وأماني ريناس في مروي ودهيا الكاهنة في شمال أفريقيا كلهن نساء نقشن أسماءهن على صخور الزمن وأثبتن أن الإرادة حين تصاغ في قلب امرأة تتحول إلى قوس قزح يضيء سماء أمة بأسرها.
وفي السودان حيث يختلط طمي النيل بدماء الشهداء وحيث تصوغ الأمهات زغرودة الحرية من رحم الألم وحيث يكتب الرجال والنساء معًا سطور الوطن تبرز صورة المرأة السودانية كرمز للتحدي والصلابة لا تعرف الهزيمة ولا ترضى بالقيد. منذ مهيرة بنت عبود التي أججت الحماس في ميادين القتال ومندي بنت السلطان عجبنا وهي من الرموز النسائية التاريخية في غرب السودان وقد ارتبط اسمها بالمقاومة ضد الحكم الاستعماري مرورًا بأجيال النساء اللواتي قدن المدارس والجمعيات والأحزاب وصولًا إلى حراك ديسمبر حيث تصدرت الفتيات الصفوف كانت المرأة السودانية دومًا شريكة في صناعة التاريخ تحمل على الأكتاف لا كزينة بل كراية وتذكر في الأشعار لا كمحبوبة فحسب بل كبطلة وملهمة.
ومن بين هذه السلسلة المضيئة من النساء يتلألأ اسم السيدة سارا الفاضل محمود أيقونة الصمود وروح السودان زوج الإمام الراحل السيد الصادق المهدي ورفيقة دربه التي لم تكن ظلًا لقائد ولا قرينة لزعيم بل كانت ركنًا من أركان المعمار الوطني وعمودًا من أعمدة الحركة السياسية والاجتماعية وصورة مكتملة للمرأة السودانية حين تحمل العقل والقلب معًا فتكون أمًا وزوجة ومناضلة ومفكرة وفنانة تجمع بين الرهافة والصلابة بين الحنان والبطولة وبين الوفاء والموقف.
ولدت سارا في مدينة أمدرمان حيث الأرض تحضن التاريخ والنيل ينسج حكاياته في كل خيط من خيوط الصباح في عام 1933 فهي حفيدة الإمام عبد الرحمن المهدي ذلك الرجل الذي أعاد صياغة الكيان الوطني بعد المهدية الأولى. وقد علمها البيت الكبير أن النسب ليس وسامًا يعلق على الصدور بل مسؤولية تعلق على الأعناق وأن الانتماء الأسري لا يمنح جاهًا بقدر ما يفرض رسالة. فشبت في بيئة مشبعة بالقيم الروحية والوطنية حيث يمتزج الإيمان بالحرية والعقيدة بالكرامة والوطنية بالتضحية.
منذ نعومة أظفارها لم تكن كبقية بنات جيلها. كان في عينيها بريق لا يهدأ وفي قلبها توق إلى أفق بعيد. فكانت أول فتاة سودانية توفد للدراسة الجامعية في الولايات المتحدة عام 1958 لتشق الدرب بقدميها في صخر العادات وتفتح كوة في جدار التقاليد وتعلن أن المرأة السودانية ليست أسيرة بيت ولا رهينة جدار بل هي قادرة على اقتحام ميادين العلم والبحث. التحقت بــ Western College for Women ثم واصلت لتنال الماجستير في الأنثروبولوجيا من جامعة نيويورك. فكانت رحلتها العلمية بمثابة سفر رسالة تحمل معها روح السودان إلى الغرب وتعود محملة بالمعرفة التي ستسهم في بناء وطنها.
ولم تكن العودة مجرد رجوع إلى بيت وأهل بل كانت رجوعًا إلى رسالة ووطن. أسهمت في تطوير التعليم وفي برامج محو الأمية وفي أنشطة الجمعيات النسوية كما لعبت دورًا مهمًا في دعم مدرسة الأحفاد لتثبت أن العلم لا فائدة منه إذا سجن في الكتب وأن المعرفة لا قيمة لها إذا لم تنزل إلى الناس.
وفي عام 1963 ارتبطت بالإمام الصادق المهدي فكان زواجها منه شراكة لا تقاس بالوجدان وحده بل شراكة في الفكر والموقف والرسالة. وصفها الإمام بقوله لقد كانت نعم الرفيقة صابرة محتسبة باسمة في المحن حاضرة في الملمات. لقد كانت نصيره في السياسة وسنده في المحن وحافظة أسراره في اللقاءات الكبرى. كانت تخدمه بنفسها حين يزوره ضيف مهم لتضمن أن تبقى الأسرار في كنف الثقة.
لكن حضورها لم يكن في الكواليس وحدها. فقد تقدمت إلى الصفوف الأولى فدخلت السجون وذاقت مرارة الاعتقال في عهود الشموليات لكنها لم تنكسر. بل كانت تغالب الألم بابتسامة وتستبدل قسوة القيود بصلابة الإرادة. وفي منافيها حولت غربتها إلى منبر مقاومة تبث منه صوت الحرية وتدير منه معركة الوطنية ضد الاستبداد.
لقد جمعت بين السياسة والأخلاق بين النضال والإيمان بين الموقف والمبدأ. كانت ترى أن السلطة ليست غاية بل وسيلة لعدل وأن النضال ليس صراعًا على كراس بل دفاع عن كرامة شعب.
وإلى جانب ذلك برزت كداعمة لمشاريع المرأة مؤسسة للجمعيات النسوية مبادرة إلى العمل الطوعي. قدمت نموذجًا للمرأة التي لا تكتفي بالشعارات بل تصنع الفعل وتترك الأثر. ومن جماليات سيرتها أنها لم تهمل التفاصيل الصغيرة كانت بارعة في فن التطريز اليدوي تخيط ملابس الإمام بنفسها وكأنها تمزج بين الحب والفن بين الحياة الخاصة والرمزية العامة.
لقد أثبتت أن المرأة تستطيع أن تكون ربة بيت وحارسة مبادئ في آن واحد وأنها قادرة أن تخيط ثوبًا وتبني وطنًا في اللحظة نفسها. وأن الأمومة لا تتناقض مع البطولة بل هما وجهان لمعنى التضحية.
شاركت في ثورة أكتوبر 1964 حيث اعتقلت وهي حامل لتجسد المعادلة النادرة أن تكون أمًا ومناضلة في الوقت نفسه. وأسهمت في تأسيس أول أمانة للمرأة في حزب سوداني لتترك بصمة واضحة في مسيرة الحركة النسوية.
وفي كل هذه المسارات كانت سارا تجمع بين الحس الوطني والقدرة التنظيمية بين الصبر على التحديات والمثابرة في الإنجاز بين الرقة في التعامل مع الآخرين والصرامة في الحفاظ على المبادئ. لقد علمتنا أن القيادة الحقيقية ليست في المنصب أو اللقب بل في القدرة على التأثير الإيجابي وفي صلابة الموقف وفي التزام القيم مهما كانت الظروف صعبة.
لقد تركت سارا إرثًا متكاملًا يجمع بين العطاء السياسي والاجتماعي والإنساني والثقافي بين الصمود في مواجهة الأنظمة الاستبدادية وبين الحضور الفاعل في المجتمع وبين العمل النسوي والتنمية المحلية وبين التمثيل الدولي والمشاركة في صناعة القرار. لقد علمت كل من عرفها رجالًا ونساء أن القوة لا تقاس بالعضلات وأن التأثير لا يقاس بالمال أو السلطة بل بالمبادئ والصدق والقدرة على العمل المتواصل والمخلص.
وحين أزف الرحيل كان المشهد مهيبًا. ففي السادس من فبراير 2008 وأثناء اجتماع للحوار الوطني مع الحركة الشعبية أسلمت الروح إلى بارئها وكأن القدر أراد أن يختم سفر حياتها في قلب الفعل السياسي. كان رحيلها صدمة كبرى ليس لأسرتها وحدها بل للسودان بأسره. قال عنها الإمام الصادق لقد فقدت نصفي الثاني وفقد الوطن أمًا من أمهاته.
إن سارا الفاضل ليست مجرد سيرة امرأة عاشت في كنف قائد بل شهادة تاريخية على أن المرأة يمكن أن تكون قلب الأمة النابض وعقلها اليقظ وروحها الصامدة. لقد كانت تجسيدًا لفكرة أن الوطنية ليست حكرًا على الرجال وأن التاريخ يكتب بأنامل النساء كما يكتب بأقلام الرجال.
لم ترحل سارا بل تحولت إلى صورة محفورة في الذاكرة الجمعية تذكرنا بأن الحرية لا تورث بل تنتزع وأن الكرامة لا تستجدى بل تصان وأن الوفاء ليس شعارًا بل مسيرة عمر.
سلام عليك يا سارا يوم ولدت ويوم عشت فكنت مدرسة في الوفاء والصمود ويوم رحلت فكنت دمعة في عين الوطن. وسلام على كل امرأة سودانية جعلت من حياتها جسرًا نحو غد أفضل. وسلام على ذكراك التي لا تبلى وعلى مكانك الذي لم ولن يملأه أحد. لقد علمتنا أن التاريخ لا يكتب بالحبر وحده بل بالدمع والعرق والإيمان وأن المرأة إذا حملت هم الوطن في قلبها فاقت الرجال صلابة وعزيمة .




التعليقات (0)
جاري التحميل...