طاهر المعتصم

لم تعد واشنطن تكتفي بإرسال المبعوثين وصياغة المبادرات، بينما تتسع رقعة الحرب السودانية وتتفاقم كلفتها الإنسانية. فالمراسلات التي كشفت عنها "رويترز" بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان والإدارة الأمريكية، ثم اللقاء الذي جمع البرهان بمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، في مصر مطلع أكتوبر، وصولًا إلى رسالة البرهان الأخيرة إلى ترمب، تكشف أن قنوات الاتصال لم تُغلق، حتى حين بلغت العلاقات بين الطرفين مرحلة من التوتر غير المسبوق.

كانت واشنطن قد ربطت، وفق تقارير إعلامية، منح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقفه من مقترح الهدنة الإنسانية لمدة تسعين يومًا. ثم جاءت رسالة البرهان، التي أكد فيها استعداد حكومته للعمل من أجل سلام عادل ودائم، لتبعث بإشارة سياسية تستحق القراءة، خصوصًا أن مندوب السودان لدى الأمم المتحدة تلا الرسالة أمام مجلس الأمن.

في المقابل، أعلن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، حميدتي، موافقته على المقترح الأمريكي. وهكذا يجد الطرفان نفسيهما أمام اختبار يتجاوز تبادل الرسائل وإعلان النوايا إلى تقديم تنازلات تتيح وقف القتال وإيصال المساعدات وحماية المدنيين.

لكن واشنطن ليست وسيطًا محايدًا بالمعنى المطلق؛ فهي تمتلك أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية واقتصادية، وتتحرك ضمن حسابات إقليمية تتداخل فيها مصالح مصر والسعودية والإمارات، فضلًا عن أمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي. والسؤال ليس ما إذا كانت الإدارة الأمريكية قادرة على ممارسة الضغط، بل ما إذا كانت مستعدة لاستخدامه بصورة متوازنة ومستمرة على الطرفين، بدلًا من الاكتفاء بانتزاع موافقات أولية سرعان ما تبتلعها حسابات الميدان.

في تقديري، قد تكون واشنطن بصدد الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها، لكن الرسائل وحدها لا تصنع السلام. المعيار الحقيقي هو تحويل الموافقات إلى هدنة قابلة للتنفيذ والمراقبة، ثم إلى وقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي مدني لا يحتكره قادة الحرب. فالسودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الرسائل المتبادلة بقدر حاجتهم إلى نهاية لحرب تدمر دولتهم ومستقبلهم.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...