أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم
ذكرت في مقال سابق، أن السيد حميدتي ودعمه السريع هما أسوأ تجلٍ ومولود لدولة ٥٦ التي سيطر العسكر على أغلبية فضاء حكمها في شموليات أخرت الوطن لعقود، وآخر الشموليات "البرهانية- الحميدتية" أدخلت البلاد في حرب غير مسبوقة قضت على كلِّ شيء. أحاول أن أجيب على الأطروحات التي حاولت أن تجعل منه بطلًا للاهوت التحرير في أسوأ تزوير للتاريخ الذي شهوده أحياء.
الفرضية الأولى هي محاولة توصيف حميدتي كبطل تحرير قومي، وروبن هوود سياسي، "وروبن هود" ذكر أدبيًا كقصة أسطورية بريطانية، حيث كان بطلًا شعبيًا عاش في غابة شيروود متخفيًا، يقاوم ظلم شريف نوتنغهام. كان يهاجم قوافل الأغنياء الذين يجمعون الضرائب بالقوة، ثم يوزّع المال على الفقراء والمحتاجين. فهم يحاولون تصويره كروبن هود الديمقراطية أي "سرقتها" عنوة من البرهان وتسليمها للسودانيين بمنطق لا يقوى على ساق. ففاقد الشيء لا يعطيه، وهو يفتقر لأي فكر أو منهج أخلاقي ليكون بطل تحرير أو بديلًا فهو ليس ديمقراطيًا أو صاحب فكر، بل يمتلك بندقية للإيجار المحلي والخارجي ويحاول تغيير جلده حسب الطلب.
الفرضية الثانية للذين وقفوا مع حميدتي وهي أنهم وقفوا معه لتخليصهم من حكم الإسلامويين، فحميدتي صنعه البشير كي يحمي حكمه، وهو نتاج لدولة الإنقاذ الفاسدة، وكان العصا التي يهز بها البشير وقد غير جلده السياسي والعسكري لمرات من أجل طموحه، وبعد أن اكتشف تفاهة مَنْ يحكمون، وقال لماذا لا أحكم أنا وأجمع المال وأكون أكثر منهم عمالة للخارج وقاهرًا للداخل. فأصبح يتبضع في سوق الأيديولوجيات والنخاسة السياسية لإيجاد مَنْ يقدمون خدماتهم ليجعلوا منه بطلًا ومناضلًا من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة، وهو أسوأ من نحر أي عدل في مناطق سيطرته.
الفرضية الثالثة أنه بطل تحرير قومي ليخلص الشعب السوداني من دولة ٥٦ ويحل محلها دولة الديمقراطية، والحرية، والمساواة، والعلمانية. لا يوجد بطل تحرير قومي دون فكر تحرير، فهو يريد أن يعبر بمن تحالف معهم مرحلة محددة تحت ادّعاءات لا قناعة له بها ولا معرفة ولا وعي. فبالرجوع لتاريخ حركات التحرر والنضال يكون القادة فيها أصحاب فكر ورؤى، فما هو فكر حميدتي ورؤيته؟ فهو مجرد حرباء سياسة عسكرية يتقلب مع ريحها وأحيانًا يتحدث بتلقائية وعفوية مرسومة ليوهم البعض أنه مع المظلومين والضعفاء، وهو قاتل سفاح مثله وصديقه السابق البرهان، فلا خير في عسكري يحكم عبر انقلاب ويكون هناك عاقل يقف معه، إلا صاحب مصلحة أو انتهازي أو جاهل.
الفرضية الرابعة هل حميدتي رجل ديمقراطي ويملك منظمة حزبية ديمقراطية، الإجابة لا، فقد أقام منظمة في شكل كارتيل أسري مافيوي تسيطر عليها أسرته والمقربون أشبه بفخذ قبيلة ويوظف الآخرين كموظفين ومقاولي نضال عبر شبكات تمويل وشركات تهريب للذهب والسلع تعمل في دول أفريقية ومع الإمارات وروسيا وحتى الصين. فالشخص الديمقراطي يحتاج لمشروع للتحرير الوطني، وحميدتي يحتاج أن يغسل كل الدماء والأموال التي نهبت من الشعب، فكيف تحرر شعبًا بنهبه وقتله وبالإجرام. ورأينا نموذج حكمه في المناطق التي سيطر عليها، وهذا لا يعني أن صديقه البرهان أفضل منه، فهو يحاول أن يستقل الأمر ليصبح بطلًا قوميًا ليحكم عبر تخويف الشعب من حميدتي صديقه الذي قال إنه ذهب لنمرة ٢ لإحضاره، وأنه لا يدخل فترة الانتقال بدونه، حيث كان يريد بندقية حميدتي الطويلة، وانقلبا سويًا على الحكم المدني الانتقالي، وبعد أسابيع بدأ الخلاف، لأن طبيعة الشمولية لا تقبل رأسين.
الفرضية الخامسة وقوفه مع الانتقال والقوى الديمقراطية، هذا أكبر خازوق أي بالسماح للبندقية أن تشارك المدنيين الحكم لأن مَنْ في يده بندقية لا يتحاور إلا بالرصاص، والسياسة تحتاج لحوار بصبر فعند وجود سلاح في يد أحد المشاركين في السياسة والحكم سوف يقلب الطاولة على الجميع ويستولي على الحكم، وهذا ما حدث، لذلك يجب التعلم مما مضى وعدم السماح لأي عسكري يحمل سلاحًا بمشاركة المدنيين الحكم أو في الانتخابات، وذلك لطبيعة الديمقراطية وخلافها مع العسكرية التي تعتمد على الأوامر والضبط والربط والقتال، بينما تعتمد السياسة على الحوار والانتخابات. أيضًا السماح له وللعسكر بالعمل في التجارة فأصبحت عنده موارد أكثر من الدولة، لذلك أصبح جيشًا موازيًا وقوى اقتصادية موازية للدولة، وأيضًا كوَّن علاقات خارجية توازي وزارة الخارجية، وكلها أخطاء ارتكبها البرهان والبشير وأيضًا إبان الانتقال في السماح للمكون العسكري بأن يكون جزءًا من الانتقال وسيطر على الدفاع والأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، وكانت النتيجة حربًا مدمرة. وكما أسلفت، فالعسكري يتحاور بالبندقية عكس السياسة، لذلك دخول البندقية في السياسة تفسد السياسة والعسكرية.
الفرضية السادسة أن حميدتي يدافع عن قبائل بعينها في غرب السودان من قبائل العطاوة التي استهدفها البرهان وأصدقاؤه في مثلث حمدي وهو حامي حمى هذه القبائل. وأيضًا هو زعيم المهمشين الجديد وقائد التحرير. فحميدتي هو مَنْ أسهم في قمع قبائل دارفور وحركات دارفور التي قادت ثورة التهميش، فهو قاتل ثورة التهميش وليس قائدها، بل الآن خلق فرزًا قبليًا وزاد الشرخ الوطني بين القبائل التي من أصول أفريقية، وتلك من الأصول العربية في دارفور، فهو يريد توظيف القبيلة كسياسة للسيطرة وخلق قاعدة شعبية موهومة، وإبان الانتقال فقد قام بشراء عربة لكل زعماء القبائل كرشوة سياسة وتحضير لتنصيبه زعيمًا ورئيسًا. فهو بالطبع لا يحمي هذه القبائل، بل يزيد الشرخ الاجتماعي الوطني ويخلق جرحًا في النسيج المجتمعي كما البرهان في الجانب الآخر، وكل ذلك يؤكد عدم صلاحية العسكري للحكم.
من كلِّ الفرضيات والمسلمات التي يقول بها مؤيدو حميدتي والمتحالفون معه من القوى السياسية المدنية، فهي لا تقوى على ساق ولا منطق فيها، وأدت إلى شرخ في المكون المدني السياسي، وأسهمت في إطالة أمد الحرب، وفي تأخير تكوين البديل المدني للشمولية العسكرية البرهانية/ الحميدتية. فحميدتي ليس بطل لاهوت التحرير، بل سفاحًا أذاق السودانيين الويل الثبور وعظائم الأمور، ومكانه ليس السياسة، بل محاكمة عادلة على خلفية جرائمه وقبلها محاكمته مع صديقه البرهان على انقلابهم على الحكم المدني الانتقالي وعلى الحرب وجرائمها، فحميدتي ليس روبن هود سياسيًا لاسترداد الديمقراطية، بل قائد عصابة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...