محمد الأمين عبد النبي

 

في تدشين كتاب "جمهورية الوقاويق" للأستاذ فتحي الضو، دار جدل حول سؤال: هل كان السودان قبل حكم الحركة الإسلامية دولةً معافاة؟ والإجابة الصادقة طبعًا لا. فقد عرف السودان، منذ الاستقلال، أزمات سياسية واقتصادية عميقة، وحروبًا أهلية، وانقلابات عسكرية، وفشلًا في بناء نظام سياسي مستقر ودولة وطنية تستوعب تنوعها. كما فشلت الأنظمة السابقة، في تقديم حلول ناجعة لأزمات البلاد. لكن الفشل شيء، وصناعة الخراب شيء آخر.

لم يكن السودان قبل الحركة الإسلامية دولة مثالية، ولم تكن أنظمته السابقة خالية من الأخطاء، لكنها لم تُحدث الخراب الممنهج الذي أصاب الدولة والمجتمع خلال العقود الثلاثة التي حكمت فيها. فالفرق بين إدارة دولة تعاني من الأزمات وبين تحويل الأزمات نفسها إلى منهج للحكم هو الفرق بين المرض ورجسة الخراب عند دانيال.

ومن هنا فإن وصف الحركة الإسلامية بأنها "رجسة الخراب" يتعلق بمشروعها الحضاري الذي جعل من السلطة غاية فوق الدولة.

كان انقلاب الإنقاذ هو بداية هذا المسار. حيث كان مشروعًا للاستيلاء على الدولة وإعادة تشكيلها لصالح جماعة سياسية. فجرى التمكين داخل مؤسسات الخدمة المدنية والقضاء والتعليم والإعلام والاقتصاد، وتراجعت فكرة الدولة الوطنية لصالح شبكات الولاء والمصلحة.

ومن أخطر ما فعلته الحركة الإسلامية أنها عسكرت السياسة وسيّست الجيش ووسعت الاعتماد على المليشيات الموازية، واستُخدم العنف في إدارة النزاعات وحسم الخصومات. وهكذا لم يعد السلاح حكرًا على مؤسسة وطنية واحدة، بل أصبح جزءًا من معادلة السلطة والثروة والنفوذ.

ولا يمكن فصل هذه السياسة عن الحرب الراهنة. فالحرب لم تنشأ في فراغ، وإنما انفجرت داخل دولة أضعفتها عقود التمكين، وتفكيك المؤسسات، وعسكرة السياسة، وتعدد الجيوش. ولذلك فإن الحركة الإسلامية تتحمل مسؤولية كبيرة عن تهيئة البيئة التي جعلت هذه الحرب ممكنة، كما تتحمل المسؤولية عن إندلاع الحرب واستمرارها وعن الانتهاكات والجرائم مناصفة مع الأطراف المتحاربة التي استجابت لقرار الحرب واستمرت فيها.

أما نهب موارد الدولة، فهو أحد وجوه هذا الخراب. فقد تحولت موارد عامة ومؤسسات اقتصادية خلال سنوات الحكم إلى ساحات للنفوذ والامتياز، وتشكلت شبكات مصالح ربطت السلطة بالاقتصاد والأمن.

كذلك أسهم المشروع الإسلاموي في تقسيم السودان وعمّق بسياساته الانقسامية بين المركز والأقاليم، وبين الجماعات السياسية والاجتماعية، وبين من ينتمون إلى مشروع السلطة ومن يقفون خارجه. وكانت النتيجة أن أصبح السودان أكثر هشاشة وأقل قدرة على إدارة تنوعه.

 

ولذلك فإن المسؤولية التاريخية للحركة الإسلامية عن الخراب كبيرة، لأنها راكمت الأزمات، ومنحتها أجهزة وشبكات ومصالح قادرة على إعادة إنتاجها.

واليوم، لا يكفي أن يتوقف القتال لإنقاذ السودان. فالحرب قد تنتهي بينما تبقى البنية التي أنتجت الهشاشة والعنف والانقسام. ولهذا فإن المهمة الوطنية تفكيك منظومة التمكين والعسكرة والفساد والاستبداد.

إن تفكيك هذه المنظومة لصالح الدين والوطن معًا. فالدين أكبر من أن يكون غطاءً لحزب، وأسمى من أن يُستخدم لتبرير السلطة أو الحرب أو الفساد. والوطن أكبر من أن يتحول إلى ملكية لتنظيم أو جماعة.

لقد كان السودان يعاني قبل الإسلامويين، لكنهم يتحملون نصيبًا كبيرًا من مسؤولية تحويل المعاناة إلى خراب. ولذلك فإن بناء عقد اجتماعي جديد يبدأ من تفكيك "رجسة الخراب"؛ دولة التنظيم والتمكين والسلاح والغنيمة، وبناء دولة الوطن والمواطنة والسلام.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...