د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
لعل أول ما يثير الدهشة والتأمل في راتب الإمام المهدي، أنه لا يشتمل على أدعية ألَّفها الإمام من عنده، ولا على أذكار مبتدعة، وإنما يقوم في معظمه على آيات من القرآن الكريم، وأدعية ثابتة في السنة النبوية، وأذكار مأثورة عن السلف. الشاهد أن هذه النصوص جميعها كانت مبذولة للأمة الإسلامية قبل الإمام المهدي بقرون، وليست وقفًا عليه دون غيره.
ومن هنا يثور سؤال مشروع: أين تكمن خصوصية الراتب؟ أفي نصوصه، أم في طريقة اختيارها وترتيبها وبنائها؟ ويقفز بنا هذا إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: هل كان صدق الإمام المهدي وخلوصيته في تعبده إلى الله، هو سبب الاصطفاء الذي ادَّعاه لنفسه، فكانت هذه الأوراد ثمرة لتلك التجربة الروحية؟ أم أن الراتب نفسه كان من قبيل الإلهام الذي جاء في إطار مأموريته لإحياء الدين وتجديده؟
إن القطع في مثل هذه المسائل ليس من شأن البحث التاريخي، غير أن الثابت بشهادة شيوخه ومعاصريه، أن الإمام المهدي كان من أبرز تلاميذ المدرسة الصوفية، وأنه بلغ فيها منزلة رفيعة في العبادة والزهد والمجاهدة. والمهدي عندما أعلن دعوته، لم يطرح نفسه شيخ طريقة بين الطرق، وإنما قدم نفسه صاحب دعوة عامة لإحياء الدين وإصلاح الأمة.
ومن هنا تبدو فرضية أخرى أقرب إلى طبيعة الأشياء، وأكثر انسجامًا مع منهجه المعروف في الدعوة إلى تنقية الدين من البدع والخرافات؛ وهي أن الراتب ليس إنشاءًا لدعاء جديد، وإنما هو بناء تعبدي صاغه الإمام المهدي من القرآن الكريم والسنة النبوية والأدعية المأثورة، وفق تجربة روحية وتعبدية خاصة عاشها بنفسه.
والإدهاش الحقيقي في الراتب لا يكمن في مفرداته، وإنما في طريقة بنائه. فالقرآن بين أيدي المسلمين جميعًا، والسنة النبوية محفوظة للأمة، ولكن الإمام المهدي استطاع أن يجمع بين هذه النصوص في وحدة موضوعية متماسكة، تبدأ بتعظيم الله وتوحيده، ثم تنتقل إلى الاستغفار، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم الدعاء، في بناء تعبدي متدرج يهيئ القلب للوقوف بين يدي الله.
ولعل هذه الخلوصية في العبادة، وهذا الفهم العميق لمقاصد القرآن والسنة، هو ما منح الراتب تماسكه، وجعل منه تجربة تربوية متميزة.
وإذا صح واستقام هذا التحليل، فإن سر تأثير الإمام المهدي في أتباعه لم يكن في ألفاظ الراتب ذاتها، وإنما في صدق صاحبه، وانسجام سيرته مع ما كان يدعو إليه من عبادة وزهد وإخلاص.
غير أن الوقوف عند هذا الحد يحرمنا من فهم أحد أهم أبعاد الراتب؛ إذ إن تعميمه على الأنصار لم يكن مجرد نقل لتجربة تعبدية فردية، وإنما كان جزءًا من مشروع أوسع لإحياء الدين وبناء جماعة جديدة.
الراتب في سياق فلسفة مشروع بناء الجماعة
إذا نظرنا إلى المجتمع السوداني قبيل الثورة المهدية، وجدناه مجتمعًا شديد التنوع، تتنازعه انتماءات متعددة ومتداخلة. فالقبيلة كانت تمثل الإطار الاجتماعي والسياسي الأول، بينما احتلت الطرق الصوفية الموقع الأكثر تأثيرًا في تشكيل الولاء الروحي، حتى أصبحت في كثير من المناطق أقوى من الانتماء القبلي نفسه. وإلى جانب ذلك، انقسم الناس في مواقفهم من الحكم التركي- المصري بين موالاة ومعارضة، كما اتسعت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الأغنياء والفقراء.
وبذلك كان المجتمع السوداني مجتمعًا غلبت عليه عوامل التفرق، بينما ظلت عوامل الوحدة أقل حضورًا.
ويبدو أن الإمام المهدي أدرك هذه الحقيقة مبكرًا، لا من خلال التأمل النظري، وإنما من خلال تجربة حياتية طويلة. فقد تنقل في أنحاء السودان طالبًا للعلم، وعمل في بعض مراحل حياته، ثم جاب البلاد في إطار نشاطه الصوفي قبل إعلان الدعوة، فاكتسب معرفة دقيقة بأحوال البلاد والعباد، وبطبيعة المجتمع السوداني، واختلاف أقاليمه، وتشابك ولاءاته.
وهذه المعرفة الميدانية تفسر كثيرًا من السياسات التي انتهجها بعد إعلان الدعوة، والتي تبدو في ظاهرها إصلاحات دينية، لكنها أدت كذلك وظائف اجتماعية وتنظيمية وسياسية بالغة الأثر.
صناعة رابطة جديدة
أدرك الإمام المهدي أن إقامة دولة جديدة لا يمكن أن تتم بينما تظل ولاءات الناس موزعة بين القبيلة والطريقة والمذهب. ولذلك لم يسع إلى إلغاء التنوع الاجتماعي، وإنما عمل على إنشاء رابطة أعلى تتجاوز تلك الروابط جميعًا، وتجعلها أقل تأثيرًا في تشكيل الولاء العام، فجعل من المهدية محورًا لهذه الرابطة الجديدة.
وفي سبيل ذلك، أعلن إلغاء الانتماءات الطرقية، ودعا أتباعها إلى الانضواء تحت راية واحدة، كما عطّل الالتزام بالمذاهب الفقهية الأربعة، داعيًا إلى الاحتكام المباشر إلى الكتاب والسنة وفق ما يراه من اجتهاد.
وقد تبدو هذه الإجراءات ذات طبيعة دينية خالصة، لكنها أدت في الوقت نفسه وظيفة تتعلق ببناء الجماعة؛ إذ أسهمت في تحويل الولاءات المتعددة إلى ولاء جامع، وصناعة هوية جديدة يكون الانتماء فيها إلى جماعة الأنصار مقدمًا على الانتماءات السابقة.
الراتب وصناعة الهوية المشتركة
في هذا السياق، يكتسب الراتب دلالة تتجاوز وظيفته التعبدية، فقد وزعه الإمام المهدي على الأنصار ليصبح وردهم اليومي جميعًا، بعد أن كانت لكل طريقة صوفية أورادها الخاصة، وبذلك انتقلت الممارسة التعبدية من إطار الطرق المتعددة إلى إطار جماعة واحدة، ولم يكن هذا مجرد توحيد للذكر، وإنما كان توحيدًا للإيقاع اليومي، وللغة الروحية، وللوجدان الجمعي.
فالأنصاري في أقصى غرب السودان كان يقرأ الراتب نفسه الذي يقرأه الأنصاري في شرقه أو شماله، فتتكرر الكلمات نفسها، والآيات نفسها، والدعوات نفسها، فينشأ شعور عملي بالانتماء إلى جماعة واحدة، لا يجمعها المكان، وإنما يجمعها الذكر والمقصد. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الراتب بوصفه أحد أهم أدوات بناء الهوية الجماعية في الدولة المهدية.
الراتب: الوظيفة التعبدية والبعد السياسي
ولا يعني هذا أن الراتب فقد طبيعته التعبدية، أو أنه كان مجرد وسيلة سياسية، فمثل هذا التفسير يظلم التجربة المهدية ويجافي حقيقتها.
والأقرب إلى الفهم أن الإمام المهدي جمع بين البعدين؛ فجعل من العبادة نفسها وسيلة لإصلاح المجتمع، ومن الذكر وسيلة لبناء الجماعة، ومن التربية الإيمانية أساساً للوحدة الاجتماعية. فلم يكن الفصل بين الديني والسياسي قائمًا في تصوره، لأن إقامة الدين عنده كانت تعني كذلك إقامة مجتمع متماسك، قادر على حمل رسالة الإصلاح.
ومن هنا يصبح الراتب جزءًا من مشروع متكامل، يبدأ بتزكية الفرد، ثم ينتقل إلى بناء الجماعة، ثم ينتهي بإقامة الدولة.
خاتمة
إن قراءة راتب الإمام المهدي من زاوية الأوراد والأذكار وحدها لا تكشف إلا جانبًا من حقيقته، أما إذا قُرئ في سياق المشروع المهدوي كله، فإنه يبدو أحد أهم أدوات إعادة بناء المجتمع السوداني.
فقد نجح الإمام المهدي في تحويل نصوص قرآنية وأدعية نبوية معروفة إلى بناء تعبدي متماسك، ثم نقل هذا البناء من التجربة الفردية إلى التجربة الجماعية، ليصبح الراتب مدرسة في التربية، وأداة في صناعة الهوية، ووسيلة في إدارة التنوع.
ولعل هذا هو سر بقائه؛ إذ لم يكن مجرد كتاب يقرأ، وإنما كان مشروعًا لبناء الإنسان، ثم الجماعة، ثم الأمة. وبهذا المعنى، فإن الراتب يمثل نموذجًا فريدًا لكيفية توظيف العبادة في خدمة مقاصد الإصلاح الشامل؛ إذ التقت فيه خلوصية التعبد مع حكمة البناء الاجتماعي، واجتمع فيه الإحياء الديني مع تأسيس جماعة استطاعت، في زمن وجيز، أن تتجاوز الانقسامات القبلية والطرقية لتلتف حول رابطة جديدة، كان محورها الإيمان، ولسانها الراتب، ورسالتها المهدية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...