ما تعلّمناه من دراسة الحرب السورية عن إعادة الإعمار بعد الحرب: لماذا يُعدُّ السلام أهم سياسة اقتصادية؟

د. إبراهيم البدوي عبد الساتر

 

 

على مدى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثًا أكاديميًا في قضايا الحرب والسلام وآثارهما الاقتصادية والسياسية. وانطلاقًا من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالًا مبسّطًا للقارئ العام، تُنشر تباعًا في عدد من وسائط الإعلام السودانية؛ مساهمةً في حوار وطني قائم على المعرفة والأدلة، ومستفيد من تجارب الأمم ومن التاريخ السوداني.

وتتناول السلسلة: أولًا، أسباب الحروب الأهلية وآثارها؛ ثانيًا، سبل إنهائها وبناء السلام؛ ثالثًا، ما تخلّفه من دمار اقتصادي وتقويض للدولة؛ ورابعًا، متطلبات إعادة الإعمار المستدامة؛ مع استخلاص الدروس ذات الصلة بالسودان.

___________________________________________________________

مِمّا ينغّصُني في أَرضِ أَندَلُسٍ    سَماعُ مُعتَصِمٍ فيها وَمُعتَضِدِ

أَسماءُ مَملَكَةٍ في غَيرِ مَوضِعِها   كالهِرِّ يَحكي اِنتِفاخًا صَولَةَ الأَسَدِ

يحمل الحديث عن سوريا، بالضرورة، دروسًا وعِبرًا أبلغ وأخطر مما تقدمه مقاربة النمو والاقتصاد السياسي التي نتناولها في هذا المقال، على أهميتها -كما سنبيّن لاحقًا-. فمصير دكتاتور الشام المخلوع، الذي تقمّص دور المعتصم والمعتضد، وتوهّم نفسه أسدًا حقيقيًا، فزيّن له هذا الوهم رفض إرادة شعبه، بل فرض عليهم حربًا عدوانية مدمرة، جديرٌ بأن يتأمله حكام الأمر الواقع وأمراء الحرب في بلادنا المنكوبة، الذين ما فتئوا يسيرون على خطاه حذو النعل بالنعل.

ينطلق هذا المقال من سؤال مركزي: هل تستطيع اقتصادات البلدان الخارجة من الحروب الأهلية التعافي بعد هذا القدر الهائل من الدمار؟ غير أن السؤال الأهم يتعلق بمدة التعافي وشروطه: ما الذي يحدد ما إذا كان سيستغرق عقدًا واحدًا أم يمتد جيلًا كاملًا؟

كانت هذه الأسئلة هي الدافع وراء دراستي المشتركة مع اثنين من الزملاء بمجموعة أبحاث التنمية التابعة للبنك الدولي عن: "النمو في سوريا: الخسائر الناجمة عن الحرب والانتعاش المحتمل في أعقابها" المنشورة عام 2021، أي قبل انتهاء الحرب السورية وسقوط نظام الأسد بنحو ثلاثة أعوام (وسيرد التوثيق الكامل للورقة في نهاية هذا المقال). قدّمت الورقة نموذجًا يحاكي الأثر الكلي لمحركات النمو الاقتصادي، بهدف تقدير الآثار الاقتصادية للحرب الأهلية السورية واستكشاف المسارات المحتملة للتعافي بعد توقف القتال. ولم تكتفِ الدراسة بتوثيق حجم الدمار، بل سعت إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة مترابطة: كيف كان سيبدو الاقتصاد السوري لو لم تندلع الحرب؟ وما العوامل التي تفسر انهياره خلالها؟ وما مدى سرعة تعافيه في ظل تسويات سياسية مختلفة بعد انتهائها؟

وعلى الرغم من أن الدراسة تركز على سوريا، فإن نتائجها تحمل دروسًا بالغة الأهمية للسودان ولغيره من البلدان التي تمر بحروب أهلية أو تحاول الخروج منها. فالسلام، وفقًا لهذه النتائج، ليس مجرد هدف سياسي أو إنساني؛ بل هو أهم سياسة اقتصادية يمكن أن تتبناها دولة مزقتها الحرب.

سوريا التي لم تكن:

بدأت الدراسة ببناء مسار افتراضي لسوريا لم تتصاعد فيها انتفاضة عام 2011، لتتحول إلى حرب أهلية. وباستخدام نموذج للنمو طويل الأجل(Long-term Growth Model: LTGM) ، قدّرت الدراسة الكيفية التي كان يمكن أن يتطور بها الاقتصاد السوري لو استمرت اتجاهات النمو السائدة قبل الحرب. وتكشف النتائج حجم ما فقدته سوريا، لا بسبب الدمار المباشر وحده، بل أيضًا بسبب توقف التنمية التي كان يمكن أن تتحقق. فبدلًا من الانهيار، كان الاقتصاد السوري سيواصل النمو بمعدل سنوي يقارب (5.3) في المائة خلال الفترة من 2011 إلى 2018. وكان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سيرتفع من نحو (60) مليار دولار في عام 2010 إلى قرابة (91) مليار دولار بحلول عام 2018، بينما كان متوسط دخل الفرد سيزداد من (2,857) دولارًا إلى نحو (3,800) دولار. وتوضح هذه الأرقام أن الكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب لا تُقاس فقط بقيمة البنية التحتية والأصول الإنتاجية التي دُمرت، بل تشمل أيضًا الفرص التي لم ترَ النور: المصانع التي لم تُبنَ، والمدارس التي لم تُفتتح، والشركات التي لم تُنشأ، والاستثمارات التي لم تُنفذ، وملايين الشباب الذين تعطلت حياتهم التعليمية والإنتاجية. ويعبّر الاقتصاديون عن ذلك بمفهوم "كلفة الفرص الضائعة بسبب الحروب والنزاعات"، أي الفارق بين المسار الفعلي للاقتصاد في ظل الحرب والمسار الذي كان يمكن أن يسلكه لو استمر السلام. وبهذا المعنى، لا تدمر الحرب الثروة القائمة فحسب، بل تبدد كذلك الثروة المستقبلية التي كان يمكن للمجتمع أن ينتجها.

تشريح الانهيار الاقتصادي السوري:

لم تكتفِ الدراسة برصد التراجع الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، بل سعت إلى تحديد القنوات التي انتقلت عبرها آثار الحرب إلى الاقتصاد. فبين عامي (2011 و2018)، انكمش الاقتصاد السوري بمتوسط سنوي يقارب (12) في المائة، حتى تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو ثلث مستواه السابق للحرب. وعند مقارنة هذا المسار الفعلي بالمسار الافتراضي في غياب الحرب، تقترب الخسائر التراكمية من (300) مليار دولار خلال تلك السنوات الثماني:

·       وكان تدمير رأس المال المادي العامل الأكبر في هذا الانهيار، إذ مثّل نحو (64) في المائة من إجمالي التراجع. فقد دُمرت المصانع والطرق وشبكات الكهرباء والمستشفيات ونظم الري والمساكن، أو تعطلت وأصبحت خارج دائرة الإنتاج، في حين اختفت الاستثمارات الجديدة تقريبًا في ظل انعدام الأمن وارتفاع المخاطر.

·       وجاء انهيار قوة العمل في المرتبة الثانية. فقد فرَّ ملايين السوريين إلى الخارج أو نزحوا داخل البلاد، بينما قُتل مئات الآلاف أو أصبحوا عاجزين عن المشاركة في النشاط الاقتصادي. وأسهمت الخسائر الديموغرافية وتراجع حجم قوة العمل بنحو (15) في المائة من الانهيار الاقتصادي.

·       كما أدى تدهور رأس المال البشري إلى نحو (7) في المائة إضافية من الخسائر. فقد أُغلقت المدارس، وفقد ملايين الأطفال سنوات من التعليم، وتعطلت الجامعات ومؤسسات التدريب، وهاجر الأطباء والمهندسون والمعلمون وأصحاب المهارات. وهذه خسارة لا تظهر آثارها كاملة في الحسابات الآنية، لأنها تضعف القدرة الإنتاجية للمجتمع لعقود لاحقة.

·       أما النسبة المتبقية، التي قاربت (13) في المائة، فارتبطت بانخفاض الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وهي المقياس الذي يعكس جودة المؤسسات وكفاءة الأسواق ومستوى التكنولوجيا وفاعلية الجمع بين رأس المال والعمل. فمع انهيار مؤسسات الدولة، وتجزؤ الأسواق، وتعطل سلاسل الإمداد، وانتشار اقتصاد الحرب، تدهورت قدرة الاقتصاد على استخدام موارده المتبقية بكفاءة.

ويكشف هذا التشريح أن الحرب تدمر الاقتصادات من خلال قنوات متعددة ومترابطة. ولهذا السبب لا يمكن اختزال إعادة الإعمار في تشييد ما تهدّم.

 

 

السياسة أهم من الهندسة لنجاح إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي:

تكمن المساهمة الأكثر أصالة للدراسة في محاكاتها لمسارات التعافي المحتملة. فبدلًا من الاقتصار على تقدير الأموال اللازمة لإعادة تشييد البنية التحتية، طرحت سؤالًا أكثر جوهرية: ما نوع التسوية السياسية المطلوبة كي تنجح إعادة الإعمار؟

وللإجابة عن هذا السؤال، قارنت الدراسة بين ثلاثة سيناريوهات مستقبلية. يفترض السيناريو الأول تسوية قابلة للتطبيق، أطلقنا عليها "سوتشي +"، تقوم على اتفاق سياسي محدود نسبيًا برعاية روسيا وإيران وتركيا، وبمشاركة محدودة من الأمم المتحدة، انبثق من اجتماعات عُقدت في مدينة سوتشي الروسية(1). ويفترض السيناريو الثاني تسوية سياسية قوية وشاملة تتمتع بشرعية محلية واسعة وتحظى بتعاون ودعم دوليين كبيرين. أما السيناريو الثالث فيفترض قيام توازن هش على الأرض، تتوقف في ظله العمليات القتالية النشطة إلى حدٍّ كبير، لكن الانقسامات السياسية تظل من دون حلٍّ وتبقى البلاد تحت سلطات أمر واقع بين عدة كيانات مسلحة متشاكسة تتقاسم الأرض والموارد والسلطة.

وترجمت الدراسة هذه السيناريوهات السياسية إلى افتراضات اقتصادية تتعلق بحجم تمويل إعادة الإعمار، وتدفقات الاستثمار الخاص، وعودة اللاجئين، وتحسن التعليم ورأس المال البشري، والإصلاح المؤسسي، ونمو الإنتاجية. وأظهرت النتائج أن طبيعة التسوية السياسية لا تحدد فقط شكل النظام الذي يعقب الحرب، بل ترسم أيضًا مسار الاقتصاد وسرعة تعافيه.

ففي ظل السيناريو المتفائل القائم على تسوية قوية وشاملة، يمكن أن ينمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو (8.2) في المائة سنويًا على مدى عقدين. وفي السيناريو المعتدل، ينخفض متوسط النمو إلى نحو (6.1) في المائة. أما في السيناريو المتشائم القائم على سلام هش ومؤسسات ضعيفة، فلا يتجاوز النمو نحو (3.1) في المائة سنويًا. والأكثر دلالة هو التفاوت الكبير في مدة التعافي؛ فبحسب جودة التسوية السياسية قد تحتاج سوريا إلى ما بين (10 و20) عامًا لمجرد استعادة مستوى الناتج المحلي الإجمالي السابق للحرب، بينما قد تستغرق استعادة مستوى دخل الفرد السابق للحرب ما بين (10 و30) عامًا. وهذا يعني أن اتفاقًا سياسيًا هشَّا قد يضيف عقدًا أو عقدين إلى معاناة المجتمع الاقتصادية، حتى لو نجح في خفض حدة القتال.

 

عودة اللاجئين: التوقيت والشروط:

تقدم الدراسة نتيجة مهمة تتعلق بعودة اللاجئين والنازحين. فقد يبدو من البديهي أن عودتهم ستعزز التعافي الاقتصادي من خلال زيادة قوة العمل وإعادة توحيد المجتمعات. لكن المحاكاة تشير إلى أن العودة الواسعة قبل استعادة فرص العمل والمساكن والبنية التحتية ورأس المال الإنتاجي قد تؤدي إلى انخفاض متوسط الدخل؛ لأن عرض العمل سيتوسع بسرعة تفوق قدرة الاقتصاد على توفير الوظائف والإنتاج. ولا يعني ذلك تأخير حق اللاجئين والنازحين في العودة، وإنما يؤكد أن العودة ينبغي أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وأن تتزامن مع إعادة الإعمار والاستثمار واستعادة الخدمات وفرص كسب العيش. فالعودة المبكرة أو القسرية، في ظل غياب هذه الشروط، قد تنقل معاناة اللاجئين من بلدان اللجوء إلى الفقر والبطالة داخل وطنهم.

أما العودة المنظمة والمتزامنة مع توسيع القدرة الإنتاجية، فإنها توفر للاقتصاد مهارات وخبرات وشبكات وعلاقات تجارية يمكن أن تعجل بالتعافي. وبذلك يتكامل الهدف الإنساني مع مقتضيات الاستدامة الاقتصادية، بدلًا من أن تعمل إحداهما في اتجاه معاكس للأخرى.

دروس الحالة السورية للسودان:

يواجه السودان اليوم تحديات تشبه، في جوانب كثيرة، ما واجهته سوريا. وعندما تهدأ أصوات المدافع، سينصب النقاش العام، بصورة مفهومة، على إعادة بناء الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه. ولا غنى عن هذه الاستثمارات، لكنها لن تكون العامل الوحيد، ولا حتى العامل الحاسم، في تحديد سرعة التعافي واستدامته. فالدرس المستخلص من المحاكاة السورية هو أن نجاح إعادة الإعمار لا يتوقف على حجم الأموال المنفقة فحسب، بل يعتمد، بدرجة أكبر، على جودة التسوية السياسية التي توجه هذا الإنفاق وتؤسس لمرحلة ما بعد الحرب.

فالشرعية السياسية، وسيادة القانون، والأمن، والمصداقية الدولية ليست قيمًا سياسية مجردة ومنفصلة عن الحسابات الاقتصادية، بل مقومات أساسية تؤثر مباشرة في الاستثمار والإنتاجية، وتدفقات التمويل، وعودة اللاجئين، وقرارات القطاع الخاص. ومن هنا تأتي الرسالة الأساسية للدراسة: إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية لإصلاح المنشآت، بل هي، في المقام الأول، عملية سياسية ومؤسسية لإعادة بناء الدولة واستعادة الشرعية والثقة.

وفي حالة السودان، يقتضي ذلك أن تسير إعادة بناء البنية التحتية بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتأهيل الخدمة المدنية، وإصلاح القطاع الأمني، وتعزيز الحكم المحلي، وإحياء التعليم، واستعادة استقلال القضاء وسيادة القانون. كما يتطلب معالجة التفاوتات الإقليمية وإدماج النازحين واللاجئين والمقاتلين السابقين في اقتصاد منتج، حتى يصبح السلام مصدرًا لفرص ملموسة، لا مجرد توقف مؤقت للقتال. وينبغي كذلك تعبئة إمكانات السودانيين في المهجر، بما يمتلكونه من موارد مالية ومهارات مهنية وخبرات علمية وشبكات دولية. فالشتات السوداني مؤهل لأن يصبح أحد المحركات الرئيسة للاستثمار ونقل المعرفة وإعادة الإعمار، شريطة استعادة الثقة في الدولة، ووضوح القواعد، وحماية الممتلكات والاستثمارات، وقيام تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

وخلاصة الدرس السوري أن التسوية السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على وقف إطلاق النار، وإنما أيضًا بقدرتها على إرساء سلام شامل ومستدام يعيد بناء الدولة، ويستعيد ثقة المواطنين والمستثمرين، ويهيئ الظروف لعودة النازحين واللاجئين. فالسلام ليس نتيجة لاحقة لإعادة الإعمار، بل هو شرطها المؤسس؛ وكلما كانت التسوية أكثر شمولًا وشرعية، قصرت مدة التعافي واتسع نطاق ثماره. أما السلام الهش فقد يوقف تدمير الاقتصاد، لكنه لن يوفر الأساس السياسي والمؤسسي اللازم لإعادة بنائه.

المراجع:

Devadas, Sharmila, Ibrahim Elbadawi, and Norman Loayza. 2021. “Growth in Syria: Losses from the War and Potential Recovery in the Aftermath.” Middle East Development Journal, 13(2), 215-244.

(1)      كانت مذكرة تفاهم سوتشي، التي وقعتها روسيا وتركيا في 17 سبتمبر 2018، خطةً لإدارة النزاع، هدفت إلى منع شنّ الحكومة السورية هجومًا واسع النطاق على محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، وتفادي وقوع كارثة إنسانية كبرى، فضلًا عن الحفاظ على التعاون بين روسيا وتركيا. ونص الاتفاق على إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح بعمق يتراوح بين (15 و20) كيلو متراً، وسحب الأسلحة الثقيلة والجماعات المتطرفة منها، وتسيير دوريات وإقامة نقاط مراقبة روسية- تركية مشتركة، وإعادة فتح طريقين دوليين رئيسيين ضمن منطقة خفض التصعيد في إدلب. هذا وقد نجح الاتفاق، في بدايته، في تأجيل هجوم شامل وخفض حدة الأعمال القتالية، إلا أن تنفيذه ظل بعيدًا عن الاكتمال. وقد أدى تجدد القتال لاحقًا إلى توقيع بروتوكول موسكو في مارس 2020، بما أكد أن اتفاق سوتشي لم يكن سوى أداة لإدارة النزاع واحتوائه مؤقتًا، لا بديلًا عن تسوية سياسية شاملة للحرب الأهلية السورية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...