عامر علي الحاج
برّر وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم الغضب الشعبي المتصاعد من تدهور قيمة الجنيه وتفاقم الأزمة المعيشية، بالقول إن المواطنين لا يعرفون -وربما لا يقدّرون- أثر العوامل الخارجية في صناعة الأزمة الاقتصادية، ولا سيما في الانهيار الأخير للعملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
واللافت أن هذا التبرير جاء متسقًا ضمنيًا مع خطاب حكومة الجيش وحلفائها، الذي يتحدث عن "غزو أجنبي" وعدوان خارجي، خصوصًا من الإمارات العربية المتحدة، والتي أُعلنت معها حالة حرب سياسيًا وإعلاميًا.
لكن المفارقة الصادمة، أن الوزير نفسه امتنع -حين طلب منه مذيع تلفزيون السودان- عن تسمية هذه العوامل الخارجية أو شرحها، متذرعًا بـ"المصالح العليا للدولة"!
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
لماذا يأتي وزير المالية إلى مقابلة تلفزيونية مخصّصة للأزمة الاقتصادية وتدهور الجنيه، إذا لم يكن يريد الحديث عن الأسباب الحقيقية التي يزعم أنها وراء ذلك؟
هل يُراد من المواطن أن يُكمل القصة بنفسه اعتمادًا على تسريبات غير رسمية ووسائط التواصل؟ أم أن الأمر لا يتجاوز استمرار نهج الاستغفال السياسي؟
تحدث الوزير عن خروج مناطق إنتاج واسعة من دائرة الاقتصاد بسبب الحرب، لكنه لم يأتِ -ولا لمرة واحدة- على ذكر وقف الحرب نفسها بوصفه المدخل الطبيعي لأي تعافٍ اقتصادي. وإن قيل إن ذلك خارج اختصاصه السياسي، فإن الإصرار على ظهوره بالزي العسكري ينسف هذا الادعاء من أساسه.
وتناول الوزير ضعف قيمة الصادرات السودانية بحجة أنها خام، وقارن بين سعر الخام والقيمة المضافة التي يخلقها التصنيع، لكنه –كالعادة- تجاهل السؤال الأهم:
لماذا يمتنع رأس المال المحلي والأجنبي عن الاستثمار؟
الجواب معروف: حرب مفتوحة، غياب سياسات مستقرة طويلة الأمد، هشاشة مؤسسية، ومخاطر أمنية وقانونية لا تشجع أي استثمار جاد.
كما أشار إلى أن منطق اقتصاد السوق تاريخيًا يقضي بأن الأسعار ترتفع بعد الأزمات ولا تعود إلى مستوياتها السابقة، لكنه تعمّد تجاهل النصف الآخر من الحقيقة:
آليات السوق تعيد التوازن أيضًا عبر إعادة توزيع الفائض، بما يرفع الدخول والقوة الشرائية للفئات المتضررة.
غير أن السودان لا يعمل كسوق حر، بل كسوق مشوّه تهيمن عليه السلطة والفساد، حيث يُحتكر الفائض ولا يُعاد توزيعه بعدل.
والأكثر فداحة، أن الوزير -وهو في منصبه منذ عام 2021م- لم يتحدث بلغة الأرقام إطلاقًا:
لا عن حجم الإيرادات،
ولا عن نسب الصرف،
ولا عن كلفة الإنفاق العسكري،
ولا عن ميزانية السلع الأساسية،
ولا عن كلفة إدارة جهاز الدولة في زمن الحرب.
في هذه اللحظة، يصعب عدم استحضار خطاب "الانسحاب التكتيكي" الذي بُرر به تخلي الجيش عن الخرطوم ودارفور والجزيرة وسنار، بذريعة الحفاظ على "القوة الصلبة"، وبفكرة أن الجيش غير معني بالدفاع عن المواطنين بقدر إدارته للصراع مع قوات الدعم السريع.
ثم، حين تهاوت هذه السردية، اكتشف الجيش أن حائط دفاعه الأخير هو الشعب، فبدأت إعادة كتابة القصة:
استُثمر الغضب الشعبي من انتهاكات قوات الدعم السريع، وتحول النفير الأهلي إلى عامل إنقاذ حقيقي مكّن الجيش من العودة إلى الخرطوم والجزيرة وسنار.
لكن الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها، أن المواطنين لم يكونوا في حسابات الجيش لا قبل إبريل 2023م ولا عند اندلاع الحرب.
ولو انتصر الجيش دون هذا النفير الشعبي، لكانت العاقبة -على الأرجح- أشد خطرًا على الناس، لا أقل، لأن من لا يرى المواطن جزءًا من معادلته في الهزيمة، لن يراه جزءًا منها في النصر.




التعليقات (0)
جاري التحميل...