إمام الحلو
حزب الأمة القومي والخماسية:
شارك حزب الأمة القومي في مشاورات القاهرة باجتماع وفده مع الخماسية في 9مارس 2026، بورقة مكتوبة تضمنت رؤية الحزب حول المسائل الأربع المطروحة في ورقة الخماسية، وهي: أولًا تصميم العملية وجدول الأعمال وإطارها، ثانيًا: الشمولية والمشاركة، ثالثًا: تسلسل الخطوات والإطار الزمني، رابعًا: دور الآلية الخماسية والشركاء.
وفي نهاية يوليو 2026، تلقى الحزب دعوة من د. محمد بن شمباس بصفته "رئيس الآلية الخماسية"، للاجتماع مع الخماسية في أديس أبابا في مقر رئاسة الاتحاد الأفريقي. ووجهت الدعوة لعدد من الكتل والتحالفات السياسية، بهدف "إتاحة الفرصة للكتل السياسية للتعبير عن آرائها الصريحة حول العملية، وضمان التوصل إلى اتفاق استراتيجي قيادي رفيع المستوى بشأن سبل المضي قدمًا فيما يتعلق باللقاءات الاستكشافية حول تشكيل اللجنة التحضيرية، وكذلك القضايا الجوهرية المتعلقة بالعملية الانتقالية في السودان".
التقى وفد الحزب في 2 أغسطس 2026، بالآلية الخماسية في اجتماع ضم كل مكونات الآلية الخماسية "الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي"، وشارك في الاجتماع اسفيريًا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، وشارك أيضًا اسفيريًا ممثل الجامعة العربية السفير زيد الصبان.
قدم وفد الحزب في ذلك الاجتماع "ورقة موقف" تحت مسمى "إعادة تعريف العملية السياسية في السودان: من إدارة الصراع إلى صناعة السلام". ورقة مكونة من محورين:
المحور الأول: العملية السياسية
لخص الحزب رؤيته حول إعادة تعريف العملية السياسية: (بأن الإشكال الرئيس في المبادرات السابقة لم يكن غياب الإرادة للحوار، ولا نقص المبادرات، وإنما الخلل في ترتيب مراحل العملية السياسية. فقد جرى القفز مباشرة إلى مناقشة ترتيبات الحوار الوطني، واللجنة التحضيرية، ومعايير المشاركة، بينما كانت الحرب نفسها لا تزال تتوسع، والثقة بين السودانيين تتآكل، والواقع العسكري والمجتمعي يتغير بصورة يومية).
واقترح الحزب، إعادة تعريف العملية السياسية باعتبارها (عملية متدرجة ذات ثلاث مراحل مترابطة: تبدأ بحصار الحرب ووقف إطلاق النار وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ثم الانتقال إلى إنهاء الحرب والتسوية السياسية والأمنية تحقيقًا للسلام، ثم إطلاق الحوار الوطني الشامل حول مستقبل الدولة، على أن تضطلع اللجنة الخماسية بدور التيسير والضمان والمرافقة في جميع المراحل، دون أن تحل محل الإرادة السودانية أو تفرض عليها مسارات أو نتائج).
وأكد الحزب أنه بهذا الفهم ينقل العملية السياسية من كونها آلية لإدارة التنافس على السلطة إلى مشروع وطني لصناعة السلام واستعادة الدولة، بما يضع إنهاء الحرب في صدارة الأولويات الوطنية. كما أكد أن نجاح العملية السياسية يتطلب إبعاد المؤتمر الوطني المحلول وروافده بمختلف مسمياتها من أية مشاركة فعلية أو ضمنية خلال مراحلها الثلاث.
المحور الثاني: إصلاح الآلية الخماسية وتفعيل دورها
أكّد الحزب تقديره للدور المهم الذي تضطلع به اللجنة الخماسية، لكنه يشدد على أن نجاحها يتطلب تطويرًا جوهريًا في بنيتها وآليات عملها. ويعتقد حزب الأمة القومي أن الأولوية تتمثل في الاتفاق على تفويض سياسي موحد (Mandate) تلتزم به جميع مكونات اللجنة، بحيث تعمل بوصفها آلية واحدة، لا باعتبارها تجمعًا لمؤسسات لكل منها أجندتها ومنطلقاتها المختلفة.
واقترح الحزب لتطوير الآلية المقترحات التالية:
1. تطوير هيكل القيادة، وإنشاء أمانة عامة تنفيذية دائمة وفريق فني متخصص لدعم الوساطة.
2. إنشاء آليات تشاور مؤسسية ومنتظمة مع القوى السياسية السودانية، وأخرى مع الخبراء والأكاديميين والمتخصصين السودانيين، بما يعزز الملكية الوطنية ويوفر المشورة الفنية اللازمة.
3. تعزيز التنسيق بين الخماسية والرباعية، وبينها وبين بريطانيا والنرويج وسويسرا، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن وحدة الجهود وتكاملها.
4. اعتماد خارطة طريق واضحة، وجدول زمني معلن، وآليات متابعة ومراجعة دورية.
كما يدعو حزب الأمة القومي إلى الاتفاق على ميثاق شرف يحكم العلاقة بين الآلية الخماسية والقوى السودانية، يقوم على مبادئ الحياد، والشفافية، واحترام الإرادة السودانية، وعدم فرض الحلول أو اختيار المشاركين، والالتزام بالتشاور المنتظم، والمراجعة المستمرة، بما يعزز الثقة ويضمن استدامة العملية السياسية.
مستقبل الخماسية
منذ سبتمبر 2025، تم تنظيم جهود الوساطة الدولية في السودان ضمن مسارين متوازيين: مسار عسكري تقوده الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الأمارات العربية المتحدة) ويُعنى بوقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية، والترتيبات الأمنية. ومسار سياسي تقوده الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة) ويركز على العملية السياسية الانتقالية. وقد استند هذا التقسيم إلى تصور مفاده أن الفصل بين المسارين قد يسهم في تسهيل التقدم في كلٍّ منهما على حدة.
وترتب على هذا التقسيم الإجرائي فجوة استراتيجية عميقة. فوقف إطلاق النار لا يمكن تحقيقه دون رؤية سياسية واضحة، كما أن أية عملية سياسية لا يمكن أن تكتسب جدوى فعلية من دون قناعة الفاعلين المسلحين بمخرجاتها. وبالتالي، فإن الفصل بين المسارين أدى عمليًا إلى إضعاف كليهما.
وفي المحصلة، فإن الخماسية تقود عملية سياسية نشطة من حيث الشكل والإجراءات، لكنها محدودة الأثر من حيث النتائج الاستراتيجية، حيث تتراكم اللقاءات والمشاورات من دون أن تُترجم إلى تقدم فعلي نحو إنهاء الحرب. ونتيجة لهذا التقسيم الإجرائي فقد عززت أطراف النزاع المسلح حضورها وهيمنتها على المشهد الوطني سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، في حين تراجع تأثير الفاعلين المدنيين بصورة مستمرة، سواء من حيث القدرة الفعلية أو من حيث الاعتراف بهم كأطراف مؤثرة. وفي موازاة ذلك، أخذت مخاطر التفكك سواء على المستوى الجغرافي أو المؤسسي أو السياسي في التصاعد، بما يهدد مستقبل السودان ووحدته.
إن معالجة هذه الفجوة الاستراتيجية تتطلب تحولًا مفاهيميًا جوهريًا، يتجاوز حدود المعالجة التدريجية. ويتمثل هذا التحول في إعادة تعريف العملية السياسية نفسها، بحيث لا تُفهم بوصفها آلية لترتيبات ما بعد النزاع، وإنما كأداة مباشرة لوقف الحرب وإنهائها.
ويقتضي هذا التحول إعادة ترتيب أولويات وتسلسل العملية السياسية بصورة واضحة ومنضبطة. على نحو ما ورد في ورقة "إعادة تعريف العملية السياسية في السودان" التي قدمها الحزب للخماسية، وتفاصيلها في مشروع الخلاص الوطني المطروح من حزب الأمة القومي.
إذ ينبغي أن تبدأ الجهود بتركيز مباشر على وقف الحرب، من خلال إجراءات عملية تشمل حصار واحتواء الحرب بخفض التصعيد عبر استراتيجية الإنهاك والإدراك. ولا ينبغي النظر إلى هذه المرحلة بوصفها تمهيدية فحسب، بل باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه أية عملية سياسية ذات معنى. وتلي ذلك مرحلة إنهاء الحرب، عبر التوصل إلى وقف إطلاق نار منظم، ووضع ترتيبات أمنية، والدخول في تسوية تفاوضية أوسع. وتتطلب هذه المرحلة انخراطًا مباشرًا ومنظمًا مع طرفي الحرب، باعتبارهما طرفين حاسمين في معادلة إنهاء الحرب والانتقال إلى المرحلة التالية.
وتأتي المرحلة التالية في شمول الترتيبات التوافقية ومشروعية التفويض الشعبي لإدارة مرحلة انتقالية راشدة. مستفيدة من تقييم تجربة المرحلة الانتقالية عقب انتصار ثورة ديسمبر المجيدة على نظام الإنقاذ البائد.
أما المرحلة الثالثة، فتتمثل في إعادة البناء السياسي، وهياكل الحكم، والمسار الدستوري. ومن المهم التأكيد أن هذه المرحلة ينبغي أن تُفهم بوصفها نتيجة للعملية السياسية، لا نقطة انطلاقها. وأن يتم خلالها معالجة كافة القضايا المصيرية والمظالم التاريخية والمسائل العالقة عبر مؤتمرات قومية مختصة ومؤتمر قومي جامع.
فالآلية الخماسية توفر منصة متعددة الأطراف معترفًا بها دوليًا، يمكن البناء عليها. كما أن الفاعلين السودانيين، بالرغم من انقساماتهم، لا يزالون منخرطين في المسار السياسي. إضافة إلى ذلك، لا يزال هناك قدر من الاهتمام الدولي عبر الآلية الرباعية الذي يمكن توظيفه بشكل إيجابي. وإذا ما تم تحقيق قدر من المواءمة بين هذه العناصر، فإنها قد تشكل أساسًا لمسار سياسي متماسك قادر على إنهاء الحرب والحفاظ على الدولة السودانية.
وعليه، فإن الأطراف -سواء كانت محلية أو دولية- مطالبة بإعادة توجيه جهودها بالاتفاق على تعريف واحد للعملية السياسية، ومن ثم الاتفاق على استراتيجية قابلة للتنفيذ لتحقيق الهدف المنشود. إن الإخفاق في تحقيق ذلك لن يؤدي فقط إلى تأخير السلام، بل سيسهم في تسريع مسارات التفكك، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على مستقبل السودان.




التعليقات (0)
جاري التحميل...