بقلم: عمر النعيم عمر

نعيش اليوم طفرة تقنية غير مسبوقة، تصدرت مشهدها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وإذا كان من المقرر علميا أن لكل قفزة تكنولوجية ضريبتها السلوكية، فإن الضريبة الأشد خطورة اليوم ليست في كفاءة الآلة، بل في سيكولوجية الإنسان الذي يستخدمها. لقد خلقت هذه الأدوات حالة من وهم المعرفة أو ما يمكن تسميته الاستعلاء المعرفي المؤقت، حيث بات غير المختص يظن بمجرد التقاطه لمعلومة معالجة رقميا أنه امتلك ناصية التخصص، وقدرة تفنيد أهل المهنة ومحاكمتهم.

إن هذا المشهد السطحي يتجلى في ممارسات يومية، كمن يصور وصفة طبية ليغذي بها محركا ذكيا، ثم يخرج بفتوى طبية مشوهة، مليئة بالتفاصيل المبهمة التي لا يكتشف عوارها إلا الطبيب الحاذق. فالآلة تولد كلمات، وتنسق عبارات، لكنها لا تملك وعي السياق، ولا تدرك الفوارق الدقيقة بين الحالات البشرية. ولعل البيئة الأكثر تضررا من هذا الوهم هي بيئة الأعمال، وتحديدا في العلاقة الجدلية بين المديرين والمرؤوسين، وهو ما يستدعي وقفة تشخيصية وعلاجية جادة.

في الفكر الإداري المستقر، تبنى الرقابة على التمكين وتطوير الأداء. لكن بدخول الذكاء الاصطناعي كمساعد للمدير أو صاحب العمل، انحرفت هذه الوظيفة لدى البعض لتصبح أداة لتصيد الأخطاء وفحص التقارير بحثا عن ثغرات متوهمة. والخلل العلمي هنا يكمن في طبيعة عمل الخوارزمية ذاتها، فهي مبرمجة على الانحياز التأكيدي مع المستخدم. فإذا دخل المدير إلى الآلة بفرضية مسبقة تبحث عن ثغرة في تقرير موظفه، فإن الخوارزمية ستطوع بياناتها لتؤكد له وجود هذه الثغرة، مقتلعة الأرقام أو النصوص من سياقها العملي والظرفي.

النتيجة الحتمية لهذه الممارسة هي ظلم الموظف، فلكل مهني طريقته، وأسلوبه، وخبرته التراكمية في التعامل مع ملفاته التي لا يمكن لآلة مخزنية أن تفهم أبعادها. وبدلاً من أن يركز الموظف على أهدافه الإنتاجية اليومية، يجد نفسه مشتتا، مستنزفا في معارك دفاعية لإثبات صحة بديهيات عمله أمام مدير يتسلح بتقرير ذكي لكنه أعمى سياقيا.

ومهما بلغت مستويات التقدم التكنولوجي، تظل هناك ثوابت علمية وعقلية تفصل بين الإنسان والآلة. الذكاء الاصطناعي في جوهره هو أداة مخزنية، قياسية، وتنسيقية، يملك القدرة على استدعاء ملايين البيانات في ثوان، وتنسقها في قوالب لغوية مبهرة، لكنه يفتقر تماما إلى الموهبة والمنح الإلهية التي تشكل البوصلة الأخلاقية والمهنية للإنسان، كما يفتقر إلى الاستنتاج والقياس الواقعي، فالآلة تقيس الحاضر بالماضي المخزن عندها، بينما العقل البشري يقيس الحاضر بمتغيرات اللحظة والمستقبل، مستندا إلى الفراسة المهنية والخبرة الضمنية وهي المعرفة التي يكتسبها الموظف عبر سنوات من الممارسة والخطأ والصواب، ولا يمكن تدوينها في كتيبات لتتغذى عليها الخوارزميات. إن الاعتماد الكلي على هذه الأدوات، وترك التفكير والاستنتاج، هو بمثابة تعطيل طوعي لأثمن ما يملك القائد الإداري: عقله وحسه الإنساني.

إن الخروج من مأزق التشظي الإداري الذي تسببت فيه هذه الطفرة يتطلب إعادة ضبط المفاهيم داخل المؤسسات عبر ثلاثة مسارات أساسية:

أولا، أنسنة الرقابة الإدارية، حيث يجب على الإدارات العليا إدراك أن تقارير الذكاء الاصطناعي هي مؤشرات أولية وليست أحكاما قطعية. التقييم الحقيقي للموظف يبنى على المخرجات والإنتاجية في أرض الواقع، لا على مدى تطابق أسلوبه مع معايير خوارزمية صماء.

ثانيا، حظر الاستعلاء المعرفي، عبر وضع مواثيق شرف مهنية داخل المؤسسات تمنع استخدام التقنية لضرب التخصصات. فالطبيب، والمهندس، والمحاسب، والمترجم، هم حراس مهنهم، والذكاء الاصطناعي خادم لهم وليس حكما عليهم.

ثالثا، التكامل لا الإحلال، إن المعادلة الناجحة للمستقبل هي إنسان مفكر يعاونه آلة منفذة. يجب أن يظل الذكاء الاصطناعي في حجمه الطبيعي كأداة مساعدة للتنظيم والترتيب، بينما تظل سلطة القرار، والاستنتاج، وقراءة ما بين السطور، حكرا على العقل البشري الموهوب.

إن التكنولوجيا وجدت لتطويع الصعاب، لا لتطويع تخصصاتنا وخلق جفاء مهني بين الرؤساء مرؤوسيهم. ويا أيها القائد الإداري: إياك أن تسلم زمام فكرك لآلة، فتظلم كفاءتك، وتصبح مديرا برتبة مستهلك خوارزميات، بينما القيادة الحقيقية هي فن فهم البشر وإلهامهم.

المراجع العلمية والدراسات المساندة:

1.    كتاب موت الخبرة: كيف يهاجم النظام الرقمي المعرفة المستقرة ولماذا يمثل ذلك تهديداً حقيقياً تأليف: توم نيكولز، عام 2017، دار نشر مطبعة جامعة أكسفورد. يبحث هذا الكتاب في سيكولوجية الاستعلاء المعرفي التي تتيحها الأدوات الرقمية، حيث يتوهم غير المختصين امتلاك المعرفة والقدرة على محاكمة الخبراء.

2.    دراسة الذكاء الاصطناعي و الانحياز التأكيدي في اتخاذ القرار الإداري: دراسة سيكولوجية وخوارزمية تأليف: ديفيد ديسانتس وماري جونسون، عام 2022، مجلة السلوك التنظيمي وإدارة التكنولوجيا. تثبت الدراسة علمياً ميل الخوارزميات لتأييد الفرضيات المسبقة للمدير وتأطير الأخطاء للموظفين عبر اقتلاع البيانات من سياقها الظرفي.

3.    دراسة تأثير أنظمة الرقابة الذكية على بيئة العمل وثقة الموظفين: الأبعاد المظلمة للأتمتة تأليف: إيلينا بيتروفا وماركوس فونغ، عام 2024، المجلة الدولية لإدارة الموارد البشرية. تناقش الدراسة انحراف وظيفة الآلة إلى تصيد الأخطاء وفحص التقارير، وتأثير ذلك في استنزاف الموظفين تكتيكياً لإثبات بديهيات عملهم.

4.    كتاب المعرفة الضمنية والذكاء الاصطناعي: حدود التعلم الآلي في فهم السياق البشري تأليف: هاري كولينز، عام 2019، دار نشر مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. يوضح الفروق الجوهرية بين البيانات المخزنة قياسياً في الآلة وبين الخبرة الضمنية والفراسة المهنية للبشر التي تعجز الخوارزميات عن قراءتها.

5.    تقرير أنسنة الإدارة في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي: إطار عمل للتكامل بين الإنسان والآلة إعداد: معهد هارفارد لإدارة الأعمال، عام 2023، هارفارد بيزنس ريفيو. يقدم أطر عمل ومواثيق مهنية تؤكد على جعل التقنية خادماً للتخصصات لا حكماً عليها، وضمان بقاء سلطة القرار والاستنتاج حكراً على العقل البشري

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...