عامر علي الحاج
ليس كل مَنْ قال "لا للجيش ولا للدعم السريع" محايدًا، كما أن رفض الطرفين معًا لا يعني بالضرورة الوقوف على مسافة واحدة منهما. وهذه التفرقة أساسية لفهم الموقف السوداني من حرب 15 أبريل.
فالحياد موقف محدد: ألا تنحاز إلى أيٍّ من طرفي الحرب عسكريًا أو سياسيًا، وأن ترفض تحويل الخصومة مع أحدهما إلى مبرر لتأييد الآخر. أما رفض الطرفين فهو موقف مختلف؛ فقد يرفض المرء الجيش والدعم السريع معًا، لكنه ينحاز بوضوح إلى مشروع ثالث: الدولة المدنية، الديمقراطية، الثورة، أو إنهاء الحرب. وهذا انحياز سياسي معلن، وليس حيادًا.
كما أن الحياد لا يعني المساواة الأخلاقية بين الطرفين، ولا يمنع إدانة جريمة ارتكبها أحدهما. يمكن أن تكون خارج الصراع العسكري والسياسي بينهما، ومع ذلك تدين الانتهاكات أيًّا كان مرتكبها. وبالمثل، يمكن لمن يرفض الطرفين أن يرى أن أحدهما أكثر مسؤولية عن واقعة معينة، من دون أن يتحول ذلك إلى تأييد له.
المشكلة السودانية أن تعريف طرفي الحرب نفسه لم يعد بسيطًا. فمن الناحية العسكرية المباشرة هناك القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، لكن كلا الطرفين يستند إلى قوى وتشكيلات وخطابات تتجاوز هويته الرسمية. ولذلك يصبح السؤال السابق على سؤال الحياد: مَنْ يقاتل فعلًا؟ ومَنْ يمنح الغطاء السياسي؟ ومَنْ يملك قرار الحرب؟
إذا كانت كتائب خاصة، مثل البراء، تشارك في القتال إلى جانب الجيش، وإذا كانت حشود قبلية تدخل الحرب تحت شعارات وجودية، فلا يمكن تجاهلها عند تعريف المشهد. وكذلك لا يمكن تجاهل الدور السياسي والعسكري لفلول نظام ما قبل أبريل 2019، إذا ثبتت مشاركتهم في استمرار الحرب. فالاعتراف بتعدد القوى لا يعني مساواتها، وإنما يعني رفض التعريف الدعائي المبسط للحرب.
وفي الجهة الأخرى، فإن الدعم السريع لا يستطيع أن يظل في الخطاب العام مجرد طرف عسكري ينازع الجيش على السلطة، بينما تكشف الوقائع في بعض المناطق عن تعبئة قبلية وإثنية، وعن انتهاكات واسعة. فإذا تحولت المعركة من صراع على السلطة إلى حرب وجود، فإن طبيعة الطرف نفسه تتغير، وتصبح مسؤولية تفكيك هذا التحول جزءًا من أي مشروع للسلام.
أما القوى المدنية، فإن رفضها للجيش لا يعني تلقائيًا تأييد الدعم السريع، كما أن رفضها للدعم السريع لا يجعلها تلقائيًا مؤيدة للجيش. المطلوب منها أن تسمي موقفها بوضوح: هل تنحاز إلى أحد الطرفين؟ هل ترفضهما معًا؟ أم تنحاز إلى مشروع ثالث يرفض الحرب العسكرية كلها؟ فالوضوح هنا ليس ترفًا سياسيًا، لأن الشعب يعيش نتائج هذه الحرب ولا يملك ترف التكهن بمواقف الفاعلين.
وهنا يصبح القول إن "كل من ليس معنا فهو ضدنا"، أخطر من مجرد شعار. فالجيش قد يوسع تعريف خصمه حتى يشمل كل معارض سياسي، والدعم السريع قد يفعل الشيء نفسه، وحين تختلط القوات الرسمية بالكتائب الخاصة والحشود القبلية، يصبح المدني نفسه مطالبًا بإثبات أنه "معنا" كي لا يصبح هدفًا.
لذلك لا أرى أن المخرج هو البحث عن "حياد" غامض، بل عن وضوح في تسمية المواقف. هناك من يؤيد الجيش، ومن يؤيد الدعم السريع، ومن يرفضهما معا، ومن ينحاز إلى مشروع مدنيً ثالث، ومن يحاول أن يكون محايدًا فعلًاً. وكل هذه مواقف مختلفة.
والسلام لا يبدأ من مطالبة السودانيين بأن يكونوا محايدين، وإنما من تحديد أطراف الحرب كما هي، وفصل السياسي عن العسكري، ووقف تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة وجودية. عندها فقط يصبح الحياد موقفًا مفهومًا، ويصبح رفض الطرفين موقفًا مفهومًا، وتصبح التسوية ممكنة.
وهذا التمييز مهم أيضًا في تقييم المواقف الخارجية. فالدولة التي تدعو إلى وقف القتال ليست بالضرورة محايدة، وقد تتبنى في الوقت نفسه تصورًا سياسيًا للحل. والدولة التي ترفض أحد الطرفين ليست بالضرورة منحازة عسكريًا إلى خصمه. لذلك ينبغي ألا نطلب من الآخرين حيادًا لا نمارسه في تعريف الحرب نفسها.
وفي الداخل، لا يكفي أن تقول سلطة ما إنها تمثل الدولة، ولا أن تقول قوة مسلحة إنها تحمي الثورة أو المجتمع. الشرعية لا تُستمد من السيطرة على الأرض أو القدرة على تقديم بعض الخدمات، وإنما من قواعد سياسية واجتماعية متفق عليها، ومن مؤسسات يمكن إخضاعها للمساءلة دومًا.




التعليقات (0)
جاري التحميل...