د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

لم تكن وفاة الإمام المهدي في 22 يونيو 1885م، مجرد خاتمة لسيرة رجل قاد واحدة من أكبر الثورات في تاريخ السودان الحديث، وإنما كانت لحظة فارقة انتقلت فيها المهدية، بصورة مفاجئة، من مرحلة الثورة والتحرير التي كان محورها شخص القائد إلى مرحلة الدولة التي تحكمها معطيات موضوعية أكثر تعقيدًا من قدرة الفرد على توجيهها.

وهنا ربما تكمن أهمية النظر إلى وفاة المهدي من زاوية مختلفة: ليس السؤال فقط ماذا حدث للمهدية بعد وفاة قائدها، وإنما ماذا حدث للمشروع عندما غابت الشخصية التي كانت تجمع بين الفكرة والقيادة والشرعية والقدرة على صناعة القرار؟

فالشيء الذي غاب في 1885م لم يكن مجرد الإمام بوصفه رأس السلطة، وإنما غابت معه الكاريزما التي كانت تختصر كثيرًا من التناقضات، وتمنح القرارات شرعيتها، وتحول التعدد إلى وحدة، والولاءات المتفرقة إلى اتجاه سياسي واحد.

الكاريزما التي كانت تجمع المتناقضات

استطاع الإمام المهدي، خلال فترة قصيرة نسبيًا، أن يجمع حول مشروعه جماعات وأقاليم وقبائل وطرقًا صوفية وقيادات ذات مصالح ومواقع اجتماعية مختلفة، ولم يكن ذلك نتيجة القوة العسكرية وحدها، ولا نتيجة الظروف التي أوجدها الحكم التركي المصري، بالرغم من أهمية هذه الظروف، وإنما كان جزءًا منه مرتبطًا بشخصية المهدي وقدرته على تحويل الظروف الموضوعية إلى قوة سياسية.

كانت له شرعية دينية استثنائية، ونجاحات عسكرية متتالية، ومعرفة واسعة بالمجتمع السوداني اكتسبها من تنقله بين مناطقه واتصاله بمكوناته المختلفة. والأهم من ذلك، أنه استطاع أن يقدم نفسه باعتباره نقطة التقاء بين هذه المكونات، وبذلك أصبحت شخصيته عنصرًا من عناصر النظام السياسي نفسه. ولهذا فإن غيابه لم يكن غياب حاكم يمكن أن يحل محله حاكم آخر ببساطة، وإنما كان غياب المظلة التي كانت تستوعب اختلافات كثيرة من دون الحاجة إلى مؤسسات متطورة لإدارتها.

أسئلة الدولة "الانتقال من منطق الإرادة الشخصية إلى منطق المعطيات الموضوعية"

بوفاة المهدي، تغيرت طبيعة المعادلة، حيث لم يعد من الممكن إدارة الدولة بالرصيد نفسه من الشرعية الشخصية، ولم تعد القرارات تستمد قوتها من حضور قائد يملك القدرة على إقناع أتباعه بأن القرار امتداد مباشر للمشروع المهدوي، وبدأت الدولة تواجه أسئلة لا تجيب عنها الكاريزما وحدها:

من يملك حق اتخاذ القرار؟ كيف توزع السلطة؟ كيف تدار العلاقة بين القيادات؟ كيف تُضبط الأقاليم؟ كيف توفق الدولة بين احتياجات الجيش واحتياجات المجتمع؟ كيف تجمع الموارد؟ كيف تتعامل مع القبائل والمناطق المختلفة؟ وكيف تُدار الدولة في مواجهة الأخطار الخارجية؟ وهنا انتقلت المهدية من منطق الإرادة الشخصية إلى منطق المعطيات الموضوعية، وهذا الانتقال هو، في تقديري، أهم ما تكشفه وفاة الإمام المهدي.

الخليفة عبد الله ومشكلة خلافة الكاريزما

لا ينبغي أن تُقرأ تجربة الخليفة عبد الله باعتبارها مجرد قصة نجاح أو إخفاقًا شخصيًا؛ فقد كان أمام مهمة شديدة الصعوبة: إدارة دولة ورثت مشروعًا ثوريًا لم تكتمل مؤسساته، وورثت في الوقت نفسه إرث رجل يصعب أن يحل أحد محله في الشرعية والكاريزما، فقد كان على الخليفة أن يحول الشرعية التي كانت مرتبطة بشخص المهدي إلى سلطة قابلة لممارسة الحكم اليومي، وهذا يفسر كثيرًا من الصراعات التي ظهرت داخل الدولة المهدية. فقد أصبحت التوازنات القبلية والإقليمية ومصالح القيادات العسكرية والدينية، عوامل أكثر حضورًا في صناعة القرار. ولذلك فإن السؤال الأكثر إنصافًا ليس: لماذا لم يكن الخليفة عبد الله مثل الإمام المهدي؟ فهذا افتراض يستحيل تحقيقه تاريخيًا!؟ بل السؤال هو: هل كان بإمكان أي قائد، بعد وفاة المهدي، أن يحافظ على النظام نفسه من الشرعية الشخصية في غياب مصدرها؟ والأرجح أن الإجابة بالنفي. فالكاريزما لا تنتقل بالتعيين، ولا تورث بالقرار السياسي.

عودة القبيلة: ظهور ما كان تحت السطح

من أبرز مظاهر التحول بعد وفاة المهدي، تزايد أهمية الولاءات الأولية، وعلى رأسها القبيلة والمجال الجغرافي. وهذا لا يعني بالضرورة أن المهدية كانت قد ألغت هذه الانتماءات، وإنما ربما كانت شخصية المهدي قادرة على تجاوزها أو احتوائها أو تأجيل ظهور تناقضاتها. وبغيابه، أصبحت الدولة مطالبة بالتعامل معها كوقائع سياسية واجتماعية قائمة بذاتها.

فالقبيلة ليست مجرد رابطة اجتماعية؛ في مجتمع السودان آنذاك كانت لها أدوار في الحماية والموارد والتعبئة والسلطة المحلية. ولذلك كان تجاهلها غير ممكن، كما كان دمجها في دولة مركزية حديثة أمرًا يحتاج إلى مؤسسات وقواعد أكثر نضجًا.

وهكذا ظهر الفرق بين قدرة قائد استثنائي على جمع الناس حول قضية وبين قدرة دولة على إدارة هؤلاء الناس بعد انتهاء القضية التي جمعتهم.

من الثورة إلى الدولة

هنا تكمن المسألة الأعمق. الثورة تحتاج إلى أدوات تختلف عن أدوات الدولة، ففي مرحلة الثورة، كان المطلوب هو تعبئة الناس، وتوحيدهم، وإقناعهم بأن إسقاط السلطة القائمة هو الهدف المشترك. وكانت المركزية والسرعة والحسم عناصر قوة. أما الدولة، فإنها تواجه واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث إن الدولة تحتاج إلى مؤسسات، وإدارة، وقضاء، وموارد، ونظام مالي، وإدارة محلية، وقواعد لاتخاذ القرار، وآليات للتعامل مع المصالح المتعارضة، والأهم من ذلك نظامًا يضمن استمرار السلطة بعد غياب الأشخاص، وهذا هو الاختبار الذي فرضته وفاة الإمام المهدي.

لقد أثبتت المهدية أن بإمكانها إسقاط النظام القديم، لكنها دخلت بعد ذلك في الاختبار الأصعب: هل تستطيع بناء نظام جديد يستطيع الاستمرار بمعزل عن الشخصية التي أسست شرعيته؟ هل كانت المشكلة في الأشخاص أم في بنية المشروع؟ من السهل، بعد وقوع الأحداث، أن نبحث عن مسؤول شخصي عن تراجع الدولة المهدية أو نهايتها. لكن القراءة الأكثر موضوعية ربما تقود إلى نتيجة مختلفة، فالمشكلة لم تكن بالضرورة في كفاءة شخص أو ضعف شخص آخر، وإنما في الفجوة بين سرعة نجاح الثورة وبطء بناء مؤسسات الدولة.

لقد تطورت الأحداث بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على النضج، على الرغم من أن المهدية تمكنت خلال سنوات قليلة من بناء سلطة واسعة، لكنها لم تمتلك الوقت الكافي لبناء قواعد مستقرة للانتقال السياسي وإدارة التنوع وتوزيع السلطة. ولهذا فإن وفاة المهدي كشفت عن هشاشة كان من الصعب ملاحظتها أثناء وجوده؛ لأن حضوره كان يعالج كثيرًا من هذه الإشكالات بصورة شخصية.

 

هل كانت هذه أول معضلة "ما بعد الاستقلال"؟

من هذه الزاوية يمكن طرح سؤال مقارن لافت: هل كان السودان في عام 1885م أمام نسخته الأولى من معضلة ما بعد الاستقلال؟، قد يبدو التشبيه بعيدًا زمنيًا، لكنه يحمل قيمة تحليلية. فكثير من حركات التحرر في إفريقيا وآسيا نجحت في التخلص من السيطرة الأجنبية، ثم اكتشفت أن هزيمة الخصم الخارجي أسهل من بناء الدولة الوطنية. فالعدو الخارجي يوفر للحركة هدفًا واضحًا يوحدها، بينما تكشف الدولة بعد انتصارها عن تعدد المصالح والهويات والمناطق والقوى الاجتماعية.

وهذا ما يجعل الانتقال من الثورة إلى الدولة أصعب من الثورة نفسها، وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى المهدية بوصفها تجربة مبكرة في هذا النوع من التحول: ثورة نجحت في بناء شرعية التحرير، لكنها وجدت نفسها بعد وفاة قائدها أمام ضرورة تحويل تلك الشرعية إلى نظام سياسي قادر على إدارة مجتمع متنوع.

 

وفاة المهدي باعتبارها لحظة كاشفة

أهمية وفاة الإمام المهدي لا تكمن فقط في أنها أنهت حياة قائد استثنائي، وإنما في أنها نزعت عن المشهد العامل الشخصي الذي كان قادرًا على تغطية كثير من الاختلالات البنيوية. وبمجرد غياب الكاريزما، ظهرت المعطيات التي كان يتعين على الدولة التعامل معها: القبيلة، والإقليم، والموارد، والجيش، والقيادات المتنافسة، والعلاقات الخارجية، والإدارة، والشرعية، ومسألة انتقال السلطة. وهنا يصبح تاريخ المهدية بعد 1885م ليس مجرد تاريخ "الخليفة عبد الله"، وإنما تاريخ محاولة دولة ناشئة أن تعيش بعد مؤسسها.

ومن هذه الزاوية، فإن وفاة الإمام المهدي كانت اختبارًا مبكرًا لسؤال لا يزال حاضرًا في السياسة السودانية: هل تستطيع الحركة التي يصنعها القائد أن تتحول إلى مؤسسة تستطيع أن تعيش بعد القائد؟ فالقيادة الكاريزمية تستطيع أن توحد الناس، لكنها لا تكفي وحدها لبناء دولة. والثورة تستطيع أن تهدم نظامًا قديمًا، لكنها لا تضمن تلقائيًا القدرة على إدارة النظام الجديد. وربما كان الدرس الأهم من وفاة الإمام المهدي أن نجاح الثورة لا يقاس فقط بقدرتها على إسقاط السلطة القديمة، وإنما بقدرتها على إنتاج مؤسسات تستطيع أن تستمر عندما يغيب الشخص الذي صنع الثورة.

وهنا تحديدًا تحولت وفاة الإمام المهدي من حدث في السيرة إلى مفتاح لقراءة التحول السياسي في السودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...