محمد الناير: لا أرى خيارًا سوى حذف ثلاثة أصفار لإعادة الاعتبار للجنيه السوداني
أيمن جاويش: القرار لن يحدث صدمة تضخمية جديدة لأن الأسواق تجاوزت هذه الفئات منذ سنوات
وليد دليل: المشكلة ليست في القرار، بل في توقيته وسياق تنفيذه
أبو عبيدة أحمد سعيد: التضخم أفقد الفئات الصغيرة قيمتها الاقتصادية وقدرتها على أداء وظيفتها كوسيط للتبادل
صوت الأمة- ناهد محمد
أصدر بنك السودان المركزي قرارًا يقضي بسحب ست فئات نقدية من التداول، تشمل فئات: (1، 2، 5، 10، 20، و50) جنيهًا، محددًا مهلة تمتد لثلاثة أشهر لاستبدالها عبر المصارف التجارية، على أن تنتهي في 30 يوليو (تموز) 2026م. وبعد انقضاء المهلة، لن تُعد هذه الفئات مبرئة للذمة المالية في أية معاملات رسمية أو تجارية.
وأوضح البنك أن القرار يأتي في إطار إعادة تنظيم التركيبة الفئوية للعملة الوطنية بما يتماشى مع التطورات الاقتصادية، ويهدف إلى تحديث هيكل النقد المتداول، وتعزيز كفاءة النظام النقدي، وتسهيل عمليات التداول، بما يواكب المتغيرات الاقتصادية والمالية في البلاد.
ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها بنك السودان المركزي، تبدو الفئات النقدية الصغيرة على أعتاب ما يمكن وصفه بـ"الموت السريري"، إذ تستعد لمغادرة التداول بصورة نهائية بعد سنوات من الغياب الفعلي عن الأسواق.
عملات فقدت قيمتها:
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، أن قرار سحب الفئات الصغيرة من السوق لم يأتِ إلا لتكريس واقع قائم منذ فترة طويلة، موضحًا أن هذه الفئات فقدت وجودها العملي في الدورة الاقتصادية بعدما تآكلت قدرتها الشرائية بالكامل.
وقال الناير، إن الفئات الصغيرة اختفت من النشاط التجاري منذ سنوات، ولم يعد المواطنون أو الأسواق يتعاملون بها، مضيفًا: "طالبنا البنك المركزي مرارًا باتخاذ هذا القرار، لأن هذه العملات أصبحت بلا قيمة شرائية، وانتهى دورها في التداول فعليًا قبل وقت طويل من صدور القرار الرسمي".
وأشار إلى أن القرار يعكس واقعًا فرضته المتغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، إذ فقدت الفئات الصغيرة وظيفتها الأساسية كوسيط للتبادل، وأصبحت خارج الاستخدام اليومي في مختلف المعاملات.
وأضاف الناير أنه، على الرغم من تأخر بنك السودان المركزي في اتخاذ هذا القرار، فإنه يظل خطوة إيجابية، قائلاً: "أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًاً".
وأشار إلى أن عملية سحب الفئات الصغيرة لا تتطلب فترة زمنية طويلة، لأن هذه العملات خرجت عمليًا من التداول منذ سنوات، ولم يعد لها وجود يذكر في الأسواق. وأوضح أن ما تبقى منها يقتصر على كميات محدودة يحتفظ بها بعض المواطنين، لا سيما في المناطق الطرفية والريفية، داخل منازلهم، من دون أن تكون جزءًا من النشاط الاقتصادي أو المعاملات اليومية.
وقال الدكتور محمد الناير، في إفادته إلى "صوت الأمة"، إن هذه الفئات لم تعد تمثل كتلة نقدية مؤثرة في النشاط الاقتصادي، مؤكدًا أن وجودها أصبح شكليًا أكثر منه عمليًا، بعد أن خرجت من التداول الفعلي منذ سنوات.
لكنه شدد على أن قرار إلغاء الفئات الصغيرة ينبغي أن تتبعه خطوة أكثر شمولًا تتمثل في إصدار فئات نقدية جديدة، لافتًا إلى أن بنك السودان المركزي كان قد أشار، ضمن سياساته النقدية والتمويلية، إلى إعادة النظر في التركيبة الفئوية للعملة.
وأضاف أن إلغاء الفئات القديمة يمثل المرحلة الأولى من عملية الإصلاح النقدي، على أن يعقبها طرح فئات جديدة، ما يستدعي أن يكون البنك المركزي قد أكمل استعداداته لتنفيذ عملية استبدال شاملة للعملة.
واقترح الناير حذف ثلاثة أصفار من العملة الوطنية، معتبرًا أن هذا الخيار أصبح ضرورة في ظل التراجع الكبير في القوة الشرائية للجنيه. وقال: "لا أرى خيارًا سوى حذف الأصفار لإعادة الاعتبار للجنيه السوداني"، موضحًا أنه لم يعد منطقيًا أن تكون أصغر فئة نقدية هي الجنيه، في وقت فقدت فيه هذه الفئة قدرتها على أداء دورها في التداول اليومي بالصورة المطلوبة.
تبديل العملة:
وقال د. الناير، في إفادته لـ"صوت الأمة"، عمليًا لا توجد كتلة نقدية كبيرة في النشاط الاقتصادي من هذه الفئات. بيد أنه نبه لضرورة أن يتبع قرار الإلغاء قرار آخر بإصدار فئات جديدة، خاصة وأن البنك المركزي وفي سياساته النقدية والتمويلية العامة للعام 2026م، أقر إعادة النظر في التركيبة الفئوية للعملة، وهذه الخطوة يجب معها إلغاء الفئات القديمة كخطوة أولى وإصدار فئات جديدة والآن يجب أن يكون بنك السودان قد استعد استعدادًا كاملًا لتبديل كامل للعملة.
واقترح د. الناير حذف ثلاثة أصفار، وقال لا يوجد خيار إلا حذف الأصفار حتى يتم العمل بالجنيه مرة أخرى لأنه لا يعقل أن يكون الحد الأدني للفئة هي الجنيه، ولا يوجد لها تداول بالصورة المطلوبة.
من جانبه، أكد بنك السودان المركزي، أن الفئات النقدية المشمولة بقرار السحب ستفقد صفتها القانونية فور انتهاء المهلة المحددة لاستبدالها، ولن تعود مبرئة للذمة المالية في سداد الالتزامات أو إتمام المعاملات المالية والتجارية.
وطمأن البنك حائزي هذه الفئات، مؤكدًا التزامه بالحفاظ على حقوقهم، ولا سيما في الولايات التي تشهد أوضاعًا أمنية أو مصرفية غير مستقرة، مشيرًا إلى أنه سيتخذ الترتيبات اللازمة التي تتيح لهم استرداد قيمتها الاسمية وفق الإجراءات والضوابط التي سيعلن عنها في الوقت المناسب، بما يضمن عدم تضرر المواطنين المتأثرين بالظروف الاستثنائية.
عبء إداري:
اعتبر المصرفي والخبير الاقتصادي أيمن جاويش، أن قرار بنك السودان المركزي بسحب الفئات النقدية الصغيرة، من الجنيه وحتى فئة الـ50 جنيهًا، لا يمثل مفاجأة للمراقبين، بل يعد إقرارًا رسميًا بواقع اقتصادي فرض نفسه منذ عام 2019م، وتكرس بصورة أوضح خلال السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب، بعدما خرجت هذه الفئات فعليًا من التداول اليومي نتيجة التضخم المتسارع والتراجع الكبير في القيمة الشرائية للعملة.
وقال جاويش، في إفادته لـ"صوت الأمة"، إن استمرار طباعة هذه الفئات وتأمينها بات أكثر كلفة من قيمتها الاسمية، ما جعلها تمثل عبئًا إداريًا على البنك المركزي من دون جدوى اقتصادية حقيقية.
وأوضح أن الأثر الاقتصادي المباشر للقرار سيقتصر إلى حدٍّ كبير على الجانب المحاسبي، من خلال تنقية ميزانية البنك المركزي وخفض تكاليف التشغيل المرتبطة بإدارة هذه الفئات، مؤكدًا في الوقت نفسه أن القرار لن يحدث صدمة تضخمية جديدة، لأن الأسواق تجاوزت التعامل بهذه العملات منذ سنوات، وتحديدًا منذ عام 2019م، بعد أن تكيفت الأسعار مع واقع فقدانها لقيمتها.
وأضاف أن الأهمية الاقتصادية للقرار تكمن في كونه قد يسهم في جذب ما تبقى من هذه الكتلة النقدية إلى القنوات المصرفية الرسمية، بما يعزز جهود البنك المركزي في توسيع الشمول المالي، ويدعم التوجه نحو تسريع التحول الرقمي، وزيادة الاعتماد على تطبيقات الدفع الإلكتروني باعتبارها الخيار الأكثر ملاءمة لإدارة المعاملات المالية في المرحلة المقبلة.
وأشار جاويش إلى أن إعادة هيكلة الفئات النقدية الصغيرة كانت خطوة متوقعة، لكنه لفت إلى وجود تحديات مستقبلية يدركها المسؤولون في بنك السودان المركزي، في مقدمتها ترسيخ الاعتماد الكامل على الفئات النقدية الكبيرة، مثل 500 و1000 جنيه وما فوق، وهو ما يعني زيادة حجم الكتلة النقدية الورقية اللازمة لإتمام حتى المعاملات اليومية البسيطة، إلى جانب ارتفاع كلفة نقل الأموال وتأمينها وإدارتها.
وأضاف أن اختفاء الفئات الصغيرة من المنظومة القانونية للتداول يضع الاقتصاد السوداني أمام خيارين لا يخلو أيٌّ منهما من التحديات؛ أولهما، تحقيق تحول رقمي شامل في وسائل الدفع، بالرغم مما تعانيه البلاد من ضعف في البنية التحتية للاتصالات والخدمات المصرفية الإلكترونية، وثانيهما، أن يضطر البنك المركزي مستقبلًا إلى إصدار فئات نقدية أكبر، مثل خمسة آلاف أو عشرة آلاف جنيه، لمواكبة الارتفاع المستمر في قيم المعاملات اليومية.
ورأى جاويش أن إصدار فئات نقدية أكبر، إذا أصبح ضرورة، قد يحمل انعكاسات نفسية سلبية على الأسواق، إذ قد يُفسر على أنه مؤشر إضافي إلى استمرار تراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية وتعميق آثار التضخم، حتى وإن كان الهدف منه في الأساس تيسير عمليات التداول النقدي.

تضخم متسارع:
اعتبر المصرفي وليد دليل، أن قرار بنك السودان المركزي بسحب الفئات النقدية الصغيرة، يمثل خطوة منطقية من حيث المبدأ، لكنه ينطوي على مفارقة تستحق التوقف عندها. وأوضح أن الفئات المشمولة بالسحب، وهي: (1، 2، 5، 10، 20، و50) جنيهًا، فقدت قيمتها الشرائية منذ سنوات بفعل التضخم المتسارع، وأصبح طبعها وتداولها وتأمينها ضد التزوير يكلف البنك المركزي أكثر من قيمتها الفعلية في السوق.
وقال دليل، في إفادته لـ"صوت الأمة"، إن سحب هذه الفئات يعد، من الناحية الفنية، خطوة تصحيحية تأخرت كثيرًا، وتنسجم مع توجهات بنك السودان المعلنة لإعادة هيكلة التركيبة الفئوية للعملة ضمن سياساته النقدية لعام 2026م.
لكنه رأى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في القرار ذاته، وإنما في توقيته وسياق تنفيذه. فاشتراط استبدال الفئات عبر الإيداع في المصارف خلال ثلاثة أشهر -بحسب رأيه- يفترض وجود جهاز مصرفي قادر على أداء هذه المهمة، في حين أن الحرب أضعفت البنية المصرفية وأخرجت أجزاء واسعة منها عن الخدمة، ولا سيما في الولايات المتأثرة بالنزاع. وأضاف أن البنك المركزي أقر بهذه المعضلة عندما تعهد بالحفاظ على القيمة الاسمية للفئات المسحوبة في المناطق غير المستقرة أمنيًا، لكنه لم يوضح حتى الآن الآلية التي سيتم من خلالها تنفيذ هذا الالتزام، ما يعني أن المواطنين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع أو المناطق المتأثرة بالحرب لا يملكون عمليًا قناة حقيقية لاستبدال ما بحوزتهم من هذه الفئات.
وأضاف أن قصر عملية السحب على الفئات الصغيرة، من دون المساس بالفئات النقدية الكبيرة، لا يعالج جوهر المشكلة النقدية، بل قد يخفف العبء عن حائزي الكتل النقدية الضخمة خارج الجهاز المصرفي أكثر مما يسهم في ضبط السيولة. وأوضح أن تحقيق أهداف مثل كبح التضخم والحد من الاقتصاد الموازي يتطلب التركيز على الفئات الكبيرة التي يسهل تخزينها ونقلها، في حين أصبحت الفئات الصغيرة هامشية ولم تعد ذات تأثير يُذكر في التداول اليومي.
وجدد دليل تأكيده أن القرار صحيح من الناحية الفنية، لكنه لا يمثل سوى خطوة أولى ضمن مسار إصلاحي أطول، معتبرًا أنه يظل منفصلًا عن رؤية متكاملة لإعادة هيكلة العملة أو حذف الأصفار. وإن تنفيذ القرار في ظل استمرار الحرب والانقسام الجغرافي للنظام المصرفي، يجعله أقرب إلى إجراء محدود الأثر، ما لم يتبعه إصدار فئات نقدية جديدة، وتنفيذ خطة شاملة لاستبدال العملة تغطي جميع ولايات السودان بصورة عملية.
تآكل القوة الشرائية:
حذر الخبير الاقتصادي أبو عبيدة أحمد سعيد، من استمرار تآكل القوة الشرائية للجنيه السوداني تحت وطأة التضخم، مشيرًا إلى أن معدل التضخم بلغ نحو (44.5) في المئة خلال مايو (أيار) 2026م، بعد أن سجل مستويات تراكمية تجاوزت (100) في المئة خلال السنوات الماضية، وهو ما أفقد الفئات النقدية الصغيرة قيمتها الاقتصادية وقدرتها على أداء وظيفتها كوسيط للتبادل.
وقال سعيد إن استمرار طباعة هذه الفئات لم يعد مجديًا من الناحية الاقتصادية، موضحًا أن كُلفة إنتاج الأوراق النقدية الصغيرة، مثل فئتي 5 و10 جنيهات، تقترب من كلفة طباعة الفئات الكبيرة، مثل 500 و1000 جنيه، بالرغم من الفارق الكبير في قيمتها الاسمية، الأمر الذي يجعل وقف طباعتها وإخراجها من التداول خيارًا أكثر كفاءة من الناحية المالية.
وأضاف أن الإبقاء على الفئات الصغيرة يفرض أعباء لوجستية إضافية على الجهاز المصرفي، سواء في عمليات العد أو الفرز أو النقل، إذ يتطلب تداول مبالغ محدودة استخدام كميات كبيرة من الأوراق النقدية، بما يزيد تكاليف التشغيل ويحد من كفاءة إدارة النقد.
وفي السياق نفسه، أشار المصرفي وليد دليل إلى أن معظم الفئات النقدية المتداولة أصبحت مهترئة وقديمة، الأمر الذي يزيد صعوبة عمليات العد والفرز والتداول اليومي، لافتًا إلى أن هذه التحديات تتعارض مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
ورأى أن تطوير منظومة المدفوعات الإلكترونية وتعزيز استخدام وسائل الدفع الرقمية، يمثلان المسار الأكثر استدامة لتحديث النظام المالي، وخفض تكاليف إدارة النقد، والحد من الاعتماد على التداول النقدي التقليدي.



التعليقات (0)
جاري التحميل...