بقلم/ إيهاب الأمين
تنام مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، على الضفة الغربية للنيل الأزرق، وتصحو في خفر، متبرجة بالخضرة والبساطة وطيبة أهلها، وتفتح أحضانها للقريب والغريب، وهي واحدة من أهم المنارات السياسية والثقافية والرياضية في تاريخ السودان الحديث، حيث تبعد حوالي مائة وستة وثمانين كيلومتراً جنوب الخرطوم، ولم تكن هذه المدينة مجرد مركز إداري لمشروع الجزيرة الزراعي العملاق، بل كانت ولا تزال البوصلة الوجدانية ومفرخة القادة ومحور النضال الوطني الذي شكل ملامح السودان وأيقظ الوعي المناهض للاستعمار البريطاني المصري، وتجلى هذا الدور التاريخي عند نادي الخريجين بمدينة ود مدني في ديسمبر من عام 1937، وكانت المحاضرة التاريخية للمفكر والقانوني الفذ والمناضل أحمد خير المحامي، والتي حملت عنوان "واجبنا السياسي بعد معاهدة 1936"، حيث كانت هذه المحاضرة بمثابة الشرارة الحقيقية واللبنة الأولى التي نادت بضرورة تجميع جهود الخريجين السودانيين في كيان موحد، وتكللت الفكرة بالنجاح في فبراير من عام 1938 بإعلان تأسيس مؤتمر الخريجين العام كأول نواة سياسية وطنية قادت المقاومة المنظمة حتى نال السودان استقلاله.
وفي سياق صناعة النخبة والقيادة، لا يمكن ذكر مدني دون الوقوف إجلالاً أمام مدرسة حنتوب الثانوية، التي تأسست عام 1946 على الضفة الشرقية للنيل الأزرق قبالة المدينة، لتصبح واحدة من أشهر القلاع التعليمية في أفريقيا والعالم العربي، حيث كانت بمثابة برلمان مصغر ومصنع حقيقي للنخب وحكام السودان، ومن أبرز الذين تخرجوا فيها الرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميري، والذي تعود أصول عائلته وجذوره التاريخية إلى منطقة دنقلا في شمال السودان، ولكنه ولد ونشأ وتلقى تعليمه وتشكل وجدانه الوطني والسياسي في ود مدني وحنتوب، كما تخرج في المدرسة رئيس وزراء حكومة الانتفاضة الدكتور الجزولي دفع الله، ورئيس الوزراء الأسبق بابكر عوض الله، وقادة الفكر والسياسة مثل المفكر الإسلامي البارز الدكتور حسن الترابي، وسكرتير الحزب الشيوعي السوداني الأسبق محمد إبراهيم نقد، والوزير المفكر منصور خالد.
ولم تقتصر مكانة حنتوب على طلابها، بل امتدت لمعلميها، حيث نقل المستعمر البريطاني الزعيم إسماعيل الأزهري إليها لإبعاده عن الحراك السياسي في العاصمة، فما كان منه إلا أن حول المدرسة والمدينة إلى مركز جديد للوعي، وأطلق عبارته الشهيرة في حنتوب: "مش حنتوب"، مؤكداً أن جذوة النضال لا تحدها الجغرافيا.
وفي مجالات الإبداع والإمتاع، رفدت ود مدني الساحة السودانية بأساطير صاغوا الهوية الفنية للبلاد، حتى لقبت بعاصمة الوجدان السوداني، حيث أنجبت عميد الفن وراعي الأغنية الحديثة إبراهيم الكاشف، والموسيقار العبقري الكبير الفنان محمد الأمين، والفنان المجدد الثائر أبو عركي البخيت، وفنان الشباب والمطرب الأنيق عبد العزيز المبارك، يرحمه الله، والصوت الندي رمضان حسن، والرموز الفنية الفاتح حسين وعثمان النو.
وممن كتبوا بمداد من نور في ديوان الشعر السوداني، أنجبت المدينة شاعر الحقيبة الفذ علي المساح، والشاعر والإعلامي الكبير فضل الله محمد، الذي كتب أروع الأغنيات الوطنية والعاطفية مثل "أكتوبر الأخضر" و"الجريدة"، والشاعر العظيم المخضرم مدني يوسف النخلي، وجمال عبد الرحيم.
أما في عالم الرياضة، فقد استحقت المدينة لقب برازيل السودان نظراً للمتعة الكروية والمهارات الفطرية التي تميزت بها أنديتها التاريخية مثل الأهلي مدني والاتحاد والنيل، وقدمت للملاعب أساطير أفذاذاً، أبرزهم الأسطورة التاريخية بابكر سانتو، الذي صنف كأحد أمهر المهاجمين في تاريخ الكرة السودانية، وفضل البقاء في مدني متشبثاً بترابها رغم إغراءات أندية العاصمة، والنجم الفذ الحريف حمد دفع الله، والهداف التاريخي حموري الكبير وشقيقه حموري الصغير، ومتوكل العربي، وصلاح الأمين، وسمير صالح.
وقاد هذا التميز الكروي مدربون عباقرة نشروا الفكر التدريبي الأكاديمي، وفي مقدمتهم الكوتش القدير الراحل سعد الطيب، والمدرب العظيم سيد سليم، ونجم الملاعب والمدرب المعروف محمد محي الدين الديبة، والكوتش عبد العال ساتي.
ولم يتوقف هذا العطاء عند الفنون والرياضة والسياسة، بل كانت ود مدني منارة طبية سامقة، تخرج منها كبار الأطباء والعلماء الذين أسسوا لنظام الرعاية الصحية والتعليم الطبي في السودان والمنطقة، ومنهم الدكتور الجزولي دفع الله، الذي جمع بين القيادة الطبية كرئيس لنقابة الأطباء والقيادة السياسية للبلاد.
وتتميز المدينة ببنيتها الطبية العريقة بوجود كبرى المستشفيات التعليمية التاريخية، ومركز الجزيرة لأمراض وجراحة الكلى، ومستشفى الذرة والسرطان، ومستشفى القلب.
وتظل القيمة الكبرى والسر الحقيقي لمدينة ود مدني كامناً في أهلها ومجتمعها المتماسك، حيث تمثل المدينة بوتقة انصهار فريدة تلاقت فيها كل القبائل والثقافات السودانية بفضل جاذبية مشروع الجزيرة وجامعة الجزيرة العريقة، ويتوزع أهلها في أحياء ضاربة في التاريخ مثل حي المدنيين، وود أزرق، والقسم الأول، والقبة، والمزاد، وحي التلفزيون، ولا ننسى حي الدباغة، وجزيرة الفيل، وحي المكي وحبيب الله، والسنيط، والزمالك، والحي السوداني، وحي الأندلس، وهو من الأحياء الحديثة، وغيرها.
ويتسم المجتمع هناك بالتعارف اللصيق والترابط المتين في السراء والضراء، وتفعيل قيم النفير والفزعة الشعبية لحل المشكلات وإعانة المحتاج، مما جعل المدينة رمزاً للأمان والطمأنينة وحسن الوفادة والترحيب بكل غريب، لتظل العبارة الشهيرة المكتوبة على مدخلها حقيقة يعيشها كل من يطأ أرضها: "ابتسم، أنت في ود مدني".




التعليقات (0)
جاري التحميل...